في مقالتي السابقة التي حملت عنوان “رخصة قتل مفتوحة على مدى اسابيع”، توقعت خلافا لما حصل ان تمتد الحرب في لبنان الى حين تسلم دونالد ترامب مسؤولية الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية في مطلع السنة المقبلة، وقد بنيت تقدير موقفي على أربعة عوامل أساسية؛ الأول رجحان كفة الميدان العسكري لصالح العدو الاسرائيلي، الثاني الموقف الشعبي العربي والدولي الذي يتعايش مع العدوان الاسرائيلي، دون تحرك او غضب او مظاهرة، الثالث تأييد اغلبية ساحقة من الإسرائيليين لاستمرار الحرب على لبنان، أما العامل الرابع، فهو عجز ادارة جو بايدن في آخر ايامها، عن لوي ذراع بنيامين نتنياهو، وفرض اتفاق وقف اطلاق نار عليه.
وعلى الرغم من صدق هذه العوامل الاربعة وصحتها، فقد حصل وقف اطلاق النار واصبح واقعا حقيقيا، خلافا لما توقعت واستنتجت.
“التسوية بين لبنان وإسرائيل حول تطبيق القرار الأممي 1701، لن تتحقق إلا وفقا للقراءة الغربية، القائمة على تلازمه مع تطبيق القرار المندرج منه 1559، أي إنهاء كل ظهور مسلح فوق الأرض وتحتها في جنوب الليطاني
في مقابلة اجريتها مع جريدة “الأنباء” الكويتية، قلت ان “التسوية بين لبنان وإسرائيل حول تطبيق القرار الأممي 1701، لن تتحقق إلا وفقا للقراءة الغربية، القائمة على تلازمه مع تطبيق القرار المندرج منه 1559، أي إنهاء كل ظهور مسلح فوق الأرض وتحتها في جنوب الليطاني، إضافة إلى ضبط المطار ومرفأ بيروت والمعابر الحدودية مع سوريا، لمنع توريد السلاح إلى غير الشرعية اللبنانية… و أن المسودة الأميركية لوقف إطلاق النار، والتي حملتها السفيرة الأميركية في لبنان ليزا جونسون، إلى كل من الرئيسين نبيه بري و نجيب ميقاتي، تعطي إسرائيل حق التدخل العسكري في كل ما لا تراه مناسبا لأمنها، ما يعني ان المسودة الأميركية المعروضة على الدولة اللبنانية، عقد إذعان كامل الأوصاف والمواصفات، لا يمكن للبنان أن يقبل به».
إقرأ أيضا: دمشق..الحساب والعقاب
وكتبت أيضا على صفحتي في “الفايسبوك”، ان “شروط العرض الاميركي الاسرائيلي على لبنان، لإبرام وقف لإطلاق النار، والمدعوم فرنسيا، هو دعوة ل”حزب الله” وايران لتوقيع عقد اذعان، يستجيبان فيها لكل الشروط الإسرائيلية، ويؤسس هذا العقد لواقع جديد، يكون لاسرائيل فيه اليد العليا في المراقبة والتنفيذ والمبادرة.
يستمر الحاج محمد رعد بالتمسك ب”ثلاثية” الجيش والشعب والمقاومة، فعن اية مقاومة تتحدث، اذا كنت قد تعهدت بالامتناع عن القيام باي عملية عسكرية؟!
واما سبب استعادتي للمقالة السابقة، فهو أولاً، رغبتي بالاعتذار مِمَن تابع هذه المقالة، التي قد تكون سببت حزنا او خوفا أو يأسا، تمت زيادته ومراكمته لمآسي الحرب وأهوالها، أما السبب الثاني فهو ان الخطأ الذي وقعت به، كان ناتجا عن استبعادي لعاملين أساسيين ،كانا حاسمين في فتح الطريق الى إنجاز وقف اطلاق النار واعلانه.
العامل الأول، هو قبول “حزب الله” ومعه إيران، بعقد الإذعان المطروح والالتزام بمندرجاته كافة، واخذ العلم و إبداء الرضا عن ورقة التفاهم الاميركية الاسرائيلية، والتي تعطي اسرائيل اليد العليا في لبنان وتتيح لها حرية الحركة كاملة، لاستهداف اي سلاح او موقع او منشأة ل”حزب الله”، جنوب الليطاني، اذا اغفل الجيش اللبناني ازالتها او تمهل في معالجتها، كما تتيح لها ضرب اية محاولة لتسليح “حزب الله”، وإعادة بناء قدراته العسكرية واللوجستية، عبر مطار بيروت الدولي أو المرفأ، او عبر المعابر الحدودية البرية رسمية كانت او غير شرعية، إضافة لذلك يمنع القرار ١٧٠١ اية دولة في العالم، بما في ذلك ايران وسوريا، من توريد أسلحة او معدات قتالية الى “حزب الله”، أو اية مجموعات مسلحة، سوى القوات التابعة للحكومة اللبنانية، والتي جرى تعدادها وذكرها حصرا.
وبصراحة تامة، فقد فوجئت بقبول إيران و”حزب الله” شروط هذه الصفقة وصيغتها.
ولتغطية فجاجة الصفقة وصفاقة هذه الصيغة، فقد نجح الرئيس نبيه بري في “تغطية الحمى بقشور البصل”، عبر صياغة لغوية تموه الخضوع وتخفيه، تحت تعبير يفيد بالتوازن!
إقرأ أيضا: نظام الاسد على المحك بعد إنكفاء «الحزب» عن سوريا..ونتانياهو يُحاصر الهدنة جنوباً!
وعبارة “حق الطرفين”، اي إسرائيل ولبنان، بالدفاع عن النفس من ضمن الالتزام بالقانون الدولي، هو عمليا تفويض لإسرائيل بمراقبة نشاط “حزب الله”، ومخازن أسلحته وخطوط إمداده ومصانعه وحركة كوادره وعناصره وضربها، وقد نص الاتفاق، على استمرار اسرائيل في نشاط طيرانها الحربي ومسيراتها فوق لبنان، على علو غير مرئي بالعين المجردة.
لتغطية فجاجة الصفقة وصفاقة هذه الصيغة، فقد نجح الرئيس نبيه بري في “تغطية الحمى بقشور البصل”، عبر صياغة لغوية تموه الخضوع وتخفيه، تحت تعبير يفيد بالتوازن!
اما حق لبنان اللغوي وليس حق “حزب الله”، بالدفاع عن نفسه، فكيف يمكن ترجمته عمليا؟! هل اذا استوردت اسرائيل شحنة من القنابل، سيكون من حق “حزب الله” ضربها مثلا، فيما العكس حق لاسرائيل! ام اذا استوردت طائرات ومدافع هل يحق للبنان و”حزب الله” الاعتراض على ذلك او ضربها، والجواب بالطبع لا، ولذلك فالمؤدى العملي لهذه الجملة المتوازنة انشائيا، هو تفويض عملي لاسرائيل بحق ” تأديب” الحزب كلما انتهك بنود القرار الدولي ١٧٠١، حسب القراءة الأميركية الفرنسية للقرار، وليس حسب قراءة “حزب الله”، وكلما تمنع الجيش اللبناني عن ازالة هذا الانتهاك.
فالاتفاق يشير إلى التزام الجانبين، بالتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، بما في ذلك الأحكام التي تشير إلى “نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان”.
لا يكتفي التفاهم الذي ادى الى وقف اطلاق النار بما سبق، بل انه اورد تعهدا مزدوجا ومتبادلا، من لبنان واسرائيل، بالامتناع عن القيام باي هجوم عسكري ضد الطرف الآخر، وان يمتنع عن التهديد بذلك، مع ذلك يستمر الحاج محمد رعد بالتمسك ب”ثلاثية” الجيش والشعب والمقاومة، فعن اية مقاومة تتحدث، اذا كنت قد تعهدت بالامتناع عن القيام باي عملية عسكرية؟!
اما العامل الثاني، الذي استجد وادى الى تقديري الخاطئ، فهو اصدار المحكمة الجنائية الدولية لمذكرتي اعتقال دولية لنتياهو ويوآف غالانت، وهو ما سمح لفرنسا وحتى اميركا، بامتلاك اداة فاعلة وحاسمة لكسر ارادتي نتنياهو وغالانت، ومبادلتهما قبول حصانتهما من الاعتقال من قبل فرنسا، بقبولهما وقف إطلاق النار في لبنان.
لا يستهدف شرح تفاصيل ومضامين التفاهم ،الذي ادى لوقف النار وشروطه المجحفة بحق لبنان، وما يلحقه من انتقاص للسيادة اللبنانية، ووضع حدوده الجيوسياسية تحت الرقابة والوصاية الأمريكية، بالدعوة لخرق وقف اطلاق النار والعودة للحرب، بل على العكس تماما، فهذه الحرب لم تقدم اية فائدة لغزة، وهي لم تكن ضرورية باي مقياس وطني لبناني، او فلسطيني أو عربي، الحرب كانت فقط تنفيذا لايماءات المرشد علي خامنئي ورغباته، والعودة لها عبر خرق بنود التفاهم الذي جرى التوصل إليه، سيكون حماقة متجددة تنضم لسلسلة الحماقات القاتلة، التي ارتكبتها ايران و”حزب الله” بحق شعب لبنان عامة، وبحق شيعة لبنان خصوصا…
هذه الحرب لم تقدم اية فائدة لغزة، وهي لم تكن ضرورية باي مقياس وطني لبناني، او فلسطيني أو عربي، الحرب كانت فقط تنفيذا لايماءات المرشد علي خامنئي ورغباته، والعودة لها عبر خرق بنود التفاهم الذي جرى التوصل إليه، سيكون حماقة متجددة تنضم لسلسلة الحماقات القاتلة
لا يملك لبنان اليوم ترف المطالبة بأعلى درجات سيادته الوطنية، بعد تفكيك دولته وتعطيل مؤسساته الدستورية، وانهيار قطاعاته الاقتصادية ونظامه المالي والمصرفي، لذلك هو مجبر على الاختيار بين سيء واسوأ، بين ان يبقى متراس قتال تفتح منه ايران حروبها ضد اسرائيل، وبقية دول الاقليم في سوريا والعراق والسعودية والبحرين واليمن ودول أخرى في العالم، وبين خيار اقل سوءا يمنح لبنان سلاما، قد يسمح باعادة تكوين السلطة وانتظام المؤسسات الدستورية، وقد يؤدي لانعاش قطاعاته الانتاجية، وعودة العافية الى اقتصاده ووظيفته في المنطقة، ولو كان هذا الخيار بإشراف دولي وأميركي.
لا يتبدى المشهد اللبناني عن انتصار مزعوم في الحرب التي انزلقنا مكرهين اليها، الا لواهم منفصل عن الواقع، او منافق امتهن بيع الاوهام والخرافات، ويتمتع بوقاحة الكذب جهارا نهارا، تحت قرص الشمس، وتلك ممارسة ممانعتية متواترة، فمقارنة بسيطة بين حال لبنان يوم ٧ تشرين الاول سنة ٢٠٢٣، وحاله يوم ٢٧ تشرين الثاني سنة ٢٠٢٤، كافية لتبيان حجم الكارثة التي انتجتها العنتريات الزائفة.
لا يتبدى المشهد اللبناني عن انتصار مزعوم في الحرب التي انزلقنا مكرهين اليها، الا لواهم منفصل عن الواقع، او منافق امتهن بيع الاوهام والخرافات، ويتمتع بوقاحة الكذب جهارا نهارا
اخيرا، ان منظومة الفساد والفشل والارتهان للخارج، بقيادة “حزب الله” وحمايته، قد وصلت الى اعمق مآزقها، وفشلت على كل مستوى وفي كل قضية، وتسببت في تفكيك دولة لبنان وتعطيل مؤسساته الديموقراطية، وانتهاك دستوره، وإستباحة قضائه، وافقار شعب لبنان وتهجيره وتشريده ودمار عمرانه، فهل من بديل وطني إنقاذي لتغيير عميق وشامل؟! تغيير يستلهم قيم انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩، ويستعيد زخمها ويفتح باب الأمل للبنان جديد، سيد وديموقراطي ومعافى.

