يستمر العدو في جرائمه الوحشية في لبنان وغزة، يضرب حيث يشاء، يدمر حيث يريد، يقتل من يختار ويعلن أسماء ضحاياه مع مواقع مسؤولياتهم، ورتبهم داخل هيكليات “حزب الله”، يدمر المباني والمناطق في كل ارجاء العمران الشيعي، او في كل موقع يتخفى به مسؤول او كادر من “حزب الله”، في الجنوب يدخل القرى، يفجر الأنفاق والمباني، يصادر مخازن الاسلحة ويدمر التحصينات، ويتقدم ببطء شديد شمالا على محاور عدة، اولها باتجاه ساحل صور الناقورة، عبر وصوله الى شمع والبياضة، وثانيها بوصول دباباته الى مشارف الليطاني، عبر تجاوز دير ميماس وقطع طريق مرجعيون _ النبطية، فيما تستمر “اطلال” السلطة اللبنانية في عبثيتها الوقحة، بتعميم موجات التفاؤل بقرب الوصول لوقف إطلاق النار، وبترداد جملة لزجة غبية، من ان الكرة في ملعب اسرائيل!! وكأن الاشاوس سددوا رمية في لعبة كرة قدم، فاصابت مرمى العدو، وينتظرون هتاف الرعايا؛ “غول.. غول”.
والمضحك المبكي ان الكرة هذه، التي تعني جوابا من اسرائيل بالموافقة على وقف لإطلاق النار، سيطول انتظارها، في الوقت الذي يتفجر ملعبنا وتستباح قرانا ومدننا بآلاف القنابل، وينتشر الدمار والموت والخراب في كل ارجاء الوطن، ويجري تهجير عشرات آلاف العائلات من بيوتها، على وقع انذارات افيخاي ادرعي ومكالماته المختلفة.
ليس هناك من وقف لاطلاق النار في مدى الاسابيع المقبلة، والوحش الاسرائيلي سيستمر في ممارسة المقتلة اللبنانية المأساوية، لانه يتمتع برخصة قتل شاملة، بدأت في غزة وانتقلت الى لبنان!!
ليس هناك من وقف لاطلاق النار في لبنان، على مدى عشرة اسابيع على الاقل
وان كان ليس ثابتا ان مقتلة غزة كانت بدفع وقرار ايراني، وان “ثنائي” محمد الضيف ويحي السنوار، ربما اجتهدا وبادرا من نفسيهما، الى اطلاق عملية “طوفان الاقصى”، حيث اَمِلاَ وحَسِبا خطأً، بان يستجيب محور طهران ويهرع للالتحاق بالمعركة، فإن مقتلة لبنان الجارية، كانت قرارا ايرانيا قاطعا، بان يقاتل “حزب الله” من لبنان منفردا، في ظل اصرار على تحييد طهران وسوريا عن المشاركة باية اعمال عسكرية، وفي ظل مساهمات خجولة عراقية، وعمليات يمنية فعاليتها محدودة.
ليس هناك من وقف لاطلاق النار في لبنان، على مدى عشرة اسابيع على الاقل، لأسباب اربعة هي:
في الميدان العسكري، يتبدى تفوق اسرائيلي واضح، عبر سيطرة العدو الجوية بطائراته الحربية ومسيراته، هذه السيطرة التي تمكنه من ملاحقة قيادات “حزب الله” وعناصره، ومن تدمير مقاره ومخازن أسلحته، واعاقة خطوط إمداده، وشل فعالية هجماته، كما يظهر الميدان ايضا، قدرة الدفاعات الجوية الاسرائيلية و”القبة الحديدية”، على صد الهجمات الصاروخية التي يطلقها “حزب الله” الى عمق الجبهة الداخلية الاسرائيلية، في حيفا وتل ابيب، والى تقليل الخسائر البشرية، الناتجة عنها الى اعداد قليلة جدا، وياتي نجاح التوغل البري الاسرائيلي عبر محورين، وتقدمه على محور البياضة على ساحل صور وتجاوز دباباته لدير ميماس باتجاه الليطاني، ليكتمل الانجاز العسكري الاسرائيلي ويصبح واضحا وجليا، بكلفة خسائر بالجنود والمعدات يمكنه تحملها.
يتبدى تفوق اسرائيلي واضح، عبر سيطرة العدو الجوية بطائراته الحربية ومسيراته
وبناء لما تقدم يستمر الراي العام الاسرائيلي في تأييده، لاستمرار بنيامين نتنياهو في حربه ضد لبنان وتظهر استطلاعات الرأي في اسرائيل، اغلبية ثابتة ترفض وقف اطلاق النار في لبنان، وتؤيد استمرار الحرب وتوسيعها مكانا وزمنا.
يدفع “حزب الله” وشعب لبنان ثمن عداوات ايران الاقليمية، وضريبة عزلتها الدولية
وخلافا لما كانت مواقف الشعوب على المستوى العربي والأوروبي والدولي، اثناء الحرب على غزة، حيث جرى رفض الحرب الاسرائيلية والتنديد بها، وساد منطق ادانة الجرائم الوحشية، التي يرتكبها جيش الاحتلال تجاه فلسطينيي القطاع واطفاله ونسائه، في اغلب وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، وعلى كل لسان سياسي، وفي تصريح اي مسؤول حكومي، وشهدنا مظاهرات الرفض للوحشية الإسرائيلية، والتنديد بها، في كل ساحات العواصم الاوروبية والاميركية، كما شهدنا لجوء دول وحكومات في العالم ومنظمات مجتمعات مدنية، الى القضاء الدولي لتجريم اسرائيل وقياداتها ومحاكمتهم امام القضاء الدولي، بخلاف هذا الموقف الغربي والدولي، الذي شهدناه اثناء مقتلة غزة، يسود صمت وتجاهل تجاه مقتلة لبنان، وتغيب اخبار الحرب الاسرائيلية على لبنان، عن نشرات أغلبية وسائل الإعلام في دول اوروبا واميركا، كما تفتقد اية تحركات جماهيرية، رافضة لاستمرار هذه الحرب، او منددة بجرائمها، وكأن تصفية “حزب الله” واقتلاعه من جذوره امر مقبول دوليا، وكأن ذلك حق من حقوق اسرائيل، وأن عقاب إيران وتقليم مخالبها، مطلب يجتمع عليه اغلبية دول الكوكب وشعوبه، ولذلك يدفع “حزب الله” وشعب لبنان ثمن عداوات ايران الاقليمية، وضريبة عزلتها الدولية.
وبينما تبقى عيون اللبنانيين مسمرة، وآذانهم منصته لاخبار وساطة المبعوث الاسرائيلي الاميركي آموس هوكشتاين، والى مواعيد زياراته بين بيروت وتل أبيب، ويرصدون قسمات وجهه وتعبيراتها، أثناء تصريحاته المعلنة بعد جلسات مفاوضاته، تتبدى العبثية المطلقة والخفة السافرة وقلة المسؤولية، التي تمارسها السلطة المتحكمة بشعب لبنان ومصيره، فهل هناك عرض اميركي منجز الشروط، لوقف اطلاق نار في لبنان، وهل هذا العرض يحظى بموافقة اسرائيل وحكومة نتنياهو، وهل لهذه الادارة التي تتحضر للرحيل قدرة على فرض حل تقبله اسرائيل ولا تعارضه ايران؟! والاجوبة الاكيدة على كل هذه الاسئلة واحدة وهو النفي وجواب.. لا!!
فما عرض على لبنان حتى ٢٧ ايلول الماضي، وهو تاريخ استشهاد السيد حسن نصرالله، وتم رفضه من لبنان قبل ذلك، لم يعد معروضا او مقبولا اليوم! وما كان ممكنا التوصل اليه، قبل التوغل الاسرائيلي البري، من تسوية بتطبيق انسحاب “حزب الله” الى شمال الليطاني، باشراف الجيش اللبناني تطبيقا للقرار ١٧٠١، لم يعد تقبله اسرائيل اليوم، كما لم تعد امكانية المبادلة بين عودة المستوطنين الى شمال اسرائيل، توازيا مع عودة سكان قرى الجنوب اللبناني المدمرة.
أصر “حزب الله” طويلا، على مقولة ان الكلمة للميدان، وعندما أفصح الميدان عن حقائقه وموازين قواه، ظهر الموقف اللبناني عاريا، يجاهد لقبول ما كان يرفضه مرارا وتكرارا.
وحده انتخاب فوري لرئيس جمهورية وتشكيل حكومة جديدة، قد يفتح بابا لوقف الكارثة المتفاقمة والمتدحرجة
وقف اطلاق النار الذي كان مطلبا إسرائيليا واوروبيا واميركيا، وتمت مواجهته برفض لبناني سخيف وغير مسؤول، على مدى عشرة اشهر كاملة، لم يعد متاحا للبنان على الارجح، قبل وصول دونالد ترامب الى البيت الابيض، وقد لا يكون متاحا بعد ذلك أيضا، على ضوء مستجدات العلاقة الاميركية الايرانية، في ظل ادارة ترامب الجديدة.
وحده انتخاب فوري لرئيس جمهورية وتشكيل حكومة جديدة، قد يفتح بابا لوقف الكارثة المتفاقمة والمتدحرجة، ويدخل عوامل جديدة قد تساعد لبنان على انقاذ نفسه، على السواء من وحشية اسرائيل اولا، ومن عبثية المنظومة المافوية في السلطة ثانيا، ومن كيد ايران وهيمنتها ثالثا.

