على وقع غزة جديدة مسرحها ضاحية بيروت الجنوبية، تشابهت ملامح المدينتين من حيث الدمار والخراب في صبيحة ذكرى أولى أليمة، بعد عملية “طوفان الأقصى” التي انطلقت في 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023، فيما دخل لبنان في نفق حرب بأفق مجهول، بعد شهور من “اشغال واسناد” بدأت بعد يوم من تاريخ غير وجه المنطقة، أي منذ 8 تشرين الأول 2023 حين رهن “حزب الله” مصيره بوقف اطلاق النار هناك، كي لا تبقى حليفته “حركة حماس” وحدها في الميدان .
جرائم حرب خلفت نحو 41 ألفا و802 شهيد فلسطيني و96 ألفا و844 جريحا في غزة
عشية الذكرى، شهدت المعركة، اطلاق صواريخ على اسرائيل وعمليات طعن متنقلة، في مشاهد لم تدفع الى تغيير مؤازرة طهران “الشكلية” بصوارخها الاستعراضية، إذ اختارت المواجهة خارج أرضها و عبر أذرعها أيضا في اليمن والعراق وسوريا، وفق منطق “وحدة الساحات” الذي أثبت فشله بمواجهة آلة القتل الاسرائيلية المتنقلة على ضفتي لبنان وفلسطين، إذ أمعنت اسرائيل في فتكها بأرواح الأبرياء الى جانب مضيها في القضاء على منظومة الحزب والحركة العسكرية كما قيادتهما، وهو ما ُترجم باغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة اسماعيل هنية، وامين عام الحزب السيد حسن نصرالله، الذي شكل اغتياله نقطة تحول في الحرب الدائرة منذ عام.
إقرأ أيضا: «حماس» تصعد ضد إسرائيل وتطلق «طوفان الأقصى»..قتل وأسر جنود إسرائيليين ورمي 5 آلاف صاروخ!
سنة مرت ، اتضح من خلالها ان ما قبل 7 تشرين الأول 2023 ليس كما قبله، وهو ما أثبتته مجريات الأحداث، فانطلاق الشرارة في هذا اليوم أعطى لاسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو فرصة الانقضاض على “حماس” بكل ما أوتي له من قوة ودعم، فأفرغ حقده على ارضها وناسها ونكل بهم، بحجة مواجهة ارهاب حماس التي تتلطى بأنفاقها هناك، واستمر الكر والفر بين الطرفين، ولم تفلح الوساطات في وضع حد لشلال دماء انتقل، قبل أسبوعين من مرور الذكرى الأولى لحرب غزة الى لبنان الذي أراد “حزب الله” أن يبقيه “أسيراً” في يد ايران، التي رفضت فصل الجبهتين على وقع مفاوضاتها مع أميركا حول ملفها النووي، ما أدخل البلاد الى قلب معركة، حولت أرضه الى جهنم منذ تاريخ 23 أيلول الأسود، الذي قلب حياة اللبنانيين أجمعين رأساً على عقب.
ما بين نكبة غزة وتهجير ناسها شهور من موت انتقلت نسخة طبق الأصل الى الضاحية والجنوب
ما بين نكبة غزة وتهجير ناسها، شهور من موت مقيم، اختبروه في أحيائها ودفعوا ثمنها شهداء وجرحى وتهجير ودمار، انتقلت نسخة طبق الأصل الى الضاحية الجنوبية ومدن وقرى الجنوب، حيث تجلت المأساة الممتدة على مساحة لبنان، الذي بات محاصراً بآلة القتل الاسرائيلية الفتاكة بالبشر والحجر بأطنان من نار.

عام من الإبادة الإسرائيلية في غزة
في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أطلقت كتائب “القسّام” الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، عملية “طوفان الأقصى” على مواقع عسكرية ومستوطنات عدة في غلاف غزة، وفي الذكرى السنوية الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة، تظهر النتائج على قطاع غزة الذي تحول بفعل الهجمات الجوية والمدفعية، إلى أكوام من الركام.
تحولت غزة الى منطقة منكوبة وغير صالحة للعيش، ووجهت الى إسرائيل اتهامات بارتكاب جرائم حرب، خلفت نحو 41 ألفا و802 شهيد فلسطيني، بينهم 16 ألفا و891 طفلا، و96 ألفا و844 جريحا، وفق وزارة الصحة بقطاع غزة، ورغم ذلك لم يتراجع نتنياهو عن عزمه لاجتثاث ما يسميه الإرهاب المتمثل ب”حماس”، فيما أكدت مصادر رئيس المكتب السياسي للحركة يحيى السنوار أنه غير نادم على عملية “طوفان الأقصى”، ولن يتخلى عن رغبته في تدمير إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية.
أكثر من ألفي شهيد و9 آلاف جريح في لبنان منذ 8 أكتوبر وقرابة مليون و200 ألف نازح
وكانت اندلعت شرارة حرب الإبادة الجماعية هذه إثر هجوم مباغت شنته الحركة في 7 أكتوبر 2023، ما أدخل تل أبيب بحالة صدمة وإرباك على كافة المستويات، وسط اتهامات للحكومة والمنظومة الأمنية والجيش بفشل التنبؤ بأكبر خرق استخباري في تاريخ الدولة، بعد أن قامت حماس والفصائل بأسر وقتل عدد من الإسرائيليين، رداً على الإعتداءات المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى.
ووفق الأرقام، تقدر تل أبيب وجود 101 أسير في غزة من أصل 239 إسرائيليا على الأقل تم أسرهم في 7 أكتوبر، بادلت عشرات منهم مع تل أبيب خلال هدنة مؤقتة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأعلنت حماس مقتل عشرات آخرين في غارات إسرائيلية عشوائية.
أيلول الدموي.. الى ما لا نهاية
قبل اتمام حرب الاسناد والاشغال التي قادها “حزب الله” بشعار نصرة غزة، اختارت اسرائيل التمهيد للانقضاض على “حزب الله”، فمهدت باغتيالات لقياداته بدقة في خرق امني كبير تجلى بصورة خطيرة من خلال تفجيرات “البيجر” يوم الثلاثاء في 17 أيلول، التي ادت الى مقتل 37 شخصاً واصابة نحو 3 آلاف من عناصر جنوبي لبنان والضاحية الجنوبية في بيروت، وما هي الا أيام تخللها أيضا اغتيالات لقادة من فرقة الرضوان التابعة للحزب وغيرهم، أطلقت اسرائيل عملية “سهام الشمال” العسكرية ضد لبنان في 23 أيلول بطريقة دموية ومباغتة، فأعلن الجيش الإسرائيلي أنه ضرب، حتى وقت متأخر من مساء يوم الاثنين، 1600 هدف ل”حزب الله” في جنوب لبنان وسهل البقاع، وتوسعت رقعة الضربات لتشمل مناطق جديدة باتت تحت مرمى نيران العدو الذي دفع بالجنوبيين، الى نزوح غير مسبوق ووجدوا أنفسهم متروكين لمصيرهم.
وصف هذا اليوم بـ “الأكثر دموية” إذ أن 27 مستشفى في أنحاء البلاد تخطت طاقتها الاستيعابية، وعلى الرغم من ضخامة حرب تموز، لم تسجل أعداد الضحايا كما في 23 أيلول، ففي يوم واحد، استشهد ما يعادل نصف عدد الضحايا المسجلين خلال أكثر من شهر من الحرب في العام 2006,

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فتمدد العدوان بطريقة غير متوقعة نتج عنها نصر الله، والقيادي في الحزب علي كركي، ليلة الجمعة في 27 أيلول، وهو أمر سجل نقطة تحول في مسار دموي لم يرحم الحجر ولا البشر.
كان لايران حصة من استهدافات اسرائيل وسجلت محطات النزاع بين البلدين وفي آخرها جاء الرد
ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى ألفين و11 شهيدا، و9 آلاف و535 جريحا منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى نهاية يوم الخميس وفق وحدة إدارة الكوارث التابعة للحكومة اللبنانية، كما ارتفع عدد النازحين الإجمالي المسجلين رسميا بمراكز الإيواء إلى 172 ألفا و100 شخص موزعين على 931 مركز بمختلف المناطق اللبنانية، ومع إضافة أرقام النازحين المسجلين رسميا بمراكز الإيواء إلى النازحين الآخرين، الذي انتقلوا الى مناطق أخرى أو للسكن مع أقربائهم يرتفع الإجمالي إلى أكثر من مليون و200 ألف نازح، وفق أرقام سابقة للحكومة اللبنانية.
محطات النزاع بين اسرائيل وإيران
كان لإيران حصة من استهدافات اسرائيل، وسجلت محطات النزاع بين البلدين منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في 7 تشرين الأول 2023 ، وفي آخرها جاء الرد من طهران بعد طول انتظار إذ شنّت إيران مساء الثلاثاء بإطلاق أكثر من 200 صاروخ باليستي، على مواقع عسكرية وحيوية في الداخل الإسرائيلي رداً على اغتيال هنية في طهران نهاية يوليو/تموز الماضي ونصر الله والقائد في الحرس الثوري عباس نيلفروشان بالضاحية الجنوبية لبيروت في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، وفق بيان للحرس الثوري الإيراني.

وفي مسار الهجمات، كان أكد الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي في 8 تشرين الأول 2023، أنّ ايران تدعم الدفاع المشروع للأمة الفلسطينية عن نفسها، وفي 28 تشرين الأول، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن “90% من ميزانية حماس العسكرية مصدرها إيران، وفي 25 كانون الأول 2023، اتهم الحرس الثوري الإيراني إسرائيل بقتل رضي موسوي القيادي البارز في فيلق القدس بضربة قرب دمشق، وفي 20 كانون الثاني 2024 قُتل خمسة عناصر في الحرس الثوري، بينهم مسؤولان كبيران بغارة جوية على دمشق، وهدد رئيسي بالرد على الهجوم.
في الأول من نيسان، أسفرت ضربة على القنصلية الإيرانية في دمشق عن مقتل سبعة عناصر في الحرس الثوري الإيراني بينهم اثنان من قادته، وفي 13 نيسان، بعد مرور نحو أسبوعين على هذه الضربة، أطلقت إيران هجوما بمسيرات مفخخة وصواريخ بالستية باتجاه إسرائيل، ردا على الضربة التي طالت قنصليتها، وكان هذا أول هجوم عسكري مباشر تشنه إيران من أراضيها على اسرائيل منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، واعتُرضت غالبية الصواريخ والمسيرات من جانب إسرائيل بمساعدة دول أجنبية بينها الولايات المتحدة.
إقرأ أيضا: بالفيديو والصور..عملية «طوفان الأقصى» عمل هجومي ضخم وغير مسبوق والقتلى والاسرى بالعشرات
وفي 19 نيسان، أعلنت إيران أن انفجارات وقعت في وسط البلاد، حيث قللت إيران من تأثير الانفجارات، من دون أن توجه اتهاما مباشرا لإسرائيل التي لم تعلن مسؤوليتها عنها.
في 31 تموز، اغتيل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية في مقر إقامته في طهران، بعد حضوره حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان، بعملية نسبتها إيران و”حركة حماس” و”حزب الله” إلى إسرائيل. ولم تعلق الدولة العبرية على اغتيال هنية في حين أعلنت رسميا، أنها اغتالت القيادي العسكري البارز في “حزب الله” فؤاد شكر بضربة على الضاحية الجنوبية لبيروت، وقعت قبل ساعات من مقتل هنية.

وفي 27 أيلول، اغتيل حسن نصر الله بغارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت طالت ايضا القيادي في الحرس الثوري الإيراني عباس نيلفورشان.
وبعد أربعة أيام على اغتيال نصرالله، أطلقت إيران “عشرات الصواريخ البالستية” على إسرائيل في الأول من تشرين الأول، وأتى الهجوم الإيراني تزامنا مع إعلان إسرائيل شنها عملية برية محدودة في جنوب لبنان ضد حزب الله، وأكد الحرس الثوري أن الهجوم الصاروخي جاء ردا على اغتيال هنية ونصرالله ونيلفورشان، فيما أكد الجيش الإسرائيلي أن الهجوم الصاروخي الإيراني ستكون له عواقب وان إسرائيل سترد على إيران في الوقت والزمان اللذين تقررهما.
إقرأ أيضا: كيف ستحيي إسرائيل ذكرى طوفان الأقصى؟


