من هزيمة 1967 إلى «طوفان الاقصى» 2023.. العرب يُستدرجون لحروب خاسرة!

طوفان الاقصى

صنّف الإعلام العالمي الجيش العراقي عام 1990، قبل دخوله في حرب الخليج الثانية واحتلاله الكويت، انه خامس أقوى جيش في العالم!

لم يكن هذا التصنيف ليأتي عن عبث، فالمساعدات العسكرية التي تلقاها نظام الرئيس صدام حسين اثناء الحرب العراقية الايرانية، التي انتهت عام 1988، كانت غزيرة تأتيه من الشرق والغرب، من الاتحاد السوفياتي وفرنسا وبريطانيا وغيرها، وذلك من أجل وقف زحف قوات الحرس الثوري الإيراني، باتجاه مدينة البصرة جنوب العراق ثاني أكبر مدينة في العراق، والتي كانت مهددة بالسقوط.

الفخ يتكرر

غير أن هذا التصنيف بدوره، لم يكن دقيقاً أبداً، فكل دول الحلف الأطلسي حينها كانت تملك جيوشاً أقوى من الجيش العراقي، إضافة لقوى كبرى مثل الهند والصين وباكستان وإسرائيل وجنوب أفريقيا، كلها دول كانت ولا تزال تملك جيوشاً حديثة وقوية، لا يمكن مقارنتها بالجيش العراقي النامي حديثاً، والعاجز عن صناعة طائرات ودبابات وذخائره التي يستوردها من الخارج.

إذن، هذا التصنيف أراد منه الإعلام العالمي حينها، أن يشعر الدكتاتور صدام حسين رئيس العراق بالمناعة والزهو والغرور، وان يقوم بما فعله لاحقا يرتكب حماقته الكبرى، فيهجم على جارته دولة الكويت الصغيرة، ثم يحتلها، حتى يكون ذلك سببا، من أجل اطباق الدول الكبرى على الخليج بذريعة تحرير الكويت ومن ثم السيطرة مباشرة على منابع النفط، وكذلك تدمير قوة العراق العسكرية، وإخراج صدام حسين من المعادلة، وهو ما حصل بشكل دقيق لاحقاً، وأصبح العراق على ما هو عليه حالياً من ضعف وتشرذم، خدمة للمصالح الغربية والإيرانية.

إقرأ أيضا: بعدسة «جنوبية»: الضاحية المنكوبة بصورة غزة المكلومة.. و«السيد» حاضر !

وهذا الفخ نفسه، كان قد استخدم لإخضاع الزعيم المصري الرئيس جمال عبد الناصر، عندما أوهمه الروس والأميركيون حينها أن جيشه الكبير، أصبح أقوى من جيش العدو الإسرائيلي، فصدّق وحاصر إسرائيل بحرياً، وأغلق مضيق تيران في البحر الأحمر، فما كان من إسرائيل إلى أن قامت في الخامس من حزيران 1967، بالهجوم الجوي على مطارات مصر وسوريا والأردن ودمرتها، ثم أمرت جيشها بالهجوم واحتلت سيناء المصرية والضفة الغربية، بعد أن انسحب منها الجيش الأردني، وكذلك الجولان السوري، وهذا كله جرى في ستة أيام فقط، ملحقة بذلك اسرائيل اسوأ هزيمة عسكرية تعرض لها العرب في العضر الحديث.

جُعل الدكتاتور صدام حسين رئيس العراق يشعر بالمناعة والزهو والغرور، فهجم على جارته دولة الكويت الصغيرة، فكان ذلك سببا من أجل اطباق الدول الكبرى على الخليج

أما في لبنان، فقط أوهم العدو الصهيوني منظمة التحرير الفلسطينية عام 1981، أنه غاية في الضعف، مقابل صواريخ الكاتيوشا التي أطلقتها على الجليل من جنوب لبنان، وأدت إلى نزوح مئات الآلاف من مستوطنيه إلى الداخل، لتعود إسرائيل بقيادة رئيس وزرائها مناحيم بيغن ووزير دفاعها أرئيل شارون، إلى مفاجأة الفلسطينيين واللبنانيين عام 1982، بهجوم عام واحتلال ثلثي لبنان ودخول العاصمة بيروت، وإجلاء منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات من لبنان إلى تونس.

استدراج “حزب الله”

واليوم كرّر العدو الإسرائيلي اللعبة السياسية الخبيثة عينها، فقد أوهم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو “حزب الله” طيلة 15 عاماً من حكمه أن قوة بلاده محدودة، وأنه لا يريد الغرق في المستنقع اللبناني، وأنه لا يستطيع أن يحافظ على أمن مستوطنيه في الشمال، إلا عبر استرضاء “حزب الله” والسماح بقواعد اشتباك تحفظ حالة اللاحرب واللاسلم، القائمة منذ حرب تموز 2006، بما يضمن أمن الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

ولما اندلعت حرب “طوفان الأقصى” قبل عام، وهي حرب انتحارية بدأتها “حماس” بهجوم على مستعمرات اسرائيلية، اوقعت الاف القتلى في صفوف اليهود، مسجلة بذلك انتصارا تكتيكيا باهرا، ولكن مع فشل استراتيجي كبير، لانه حصل دون النظر الى موازين القوى بينها وبين العدو الاسرائيلي، الذي عمد بعدها الى تدمير غزة واحتلالها، وعندما دخل حزب الله “مسانداً” “حماس” بإطلاق الصواريخ باتجاه المستعمرات الإسرائيلية، وأدى إلى رد مقابل اسرائيلي ودمار في البلدات والقرى اللبنانية المواجهة، فإن أكثر المتشائمين من اللبنانيين، لم يكن يتصوّر أن تعمد إسرائيل إلى استهداف كامل للبنان لاحقاً حتى العاصمة بيروت، والبدء بتدمير ممنهج لضاحيتها الجنوبية، على نسق حرب تموز عام 2006، ثم اغتيال قيادات “حزب الله” العسكرية جميعاً، وصولاً إلى أمينه العام السيد حسن نصر الله يوم الجمعة الفائت، فاتحين بذلك مرحلة جديدة من الوحشية والإجرام وبما جزر واستهداف للمدنيين قبل العسكريين بشكل لا يوصف، وعلى مساحة كل لبنان، ومصرين على الحاق الهزيمة الكاملة بلبنان، وبالحزب ومحوره الممانع الذي تتزعمه ايران.

المشترك من كل تلك المحطات التاريخية العسكرية ، وانتهاءاً بأزمة حرب مساندة “طوفان الأقصى” الفلسطيني، أن العدو الصهيوني المتفوّق عسكرياً وجوّاً وبحراً وبرّاً، وعدداً وعدة؛ لا يوجّه ضرباته القاضية، إلا بعد الإفساح المجال لخصمه أن يكبر ويتضخّم، ويعتقد أنه أصبح يخشاه، وأنه أقوى منه وأكثر دلالة بالحرب وأساليبها، وذلك من أجل تحطيم المثل العليا للشعوب، التي تتصارع معها بشكل نهائي، فلا تقوم لها قائمة.

لم يكن يتصوّر أن تعمد إسرائيل إلى استهداف كامل للبنان وتدمير ضاحيتها الجنوبية على نسق حرب تموز عام 2006، ثم اغتيال قيادات حزب الله العسكرية جميعاً وصولاً إلى أمينه العام السيد حسن نصر الله

لا تحتاج هذه الوقائع قراءة تاريخية معمقة، وانما لنظرة خاطفة لما مضى من احداث في العصر الحديث، كي يُفهم ان القائد الملهم مهما كان عظيما وحكيما، ان كان جمال عبد النصر ام ياسر عرفات ام السيد حسن نصرالله، لن يستطيع ان يحقق اهدافه الوطنية والقومية والتحررية، دون بناء جهاز حكم متقدّم، وادارة متطورة تحكم الواقعية في السياسة القائمة على المصالح الوطنية، وليس على الشعارات غير القابلة للتحقيق، وكذلك في الوعي الكامل لادراك قوة العدو، بناء على معلومات علمية وعسكرية دقيقة، فيهاجمه في لحظة ضعفه، وليس في أوج قوته كما هو حالنا اليوم.

إقرأ أيضا: جنبلاط: وضع المنطقة في غاية الخطورة والحرب يمكن أن تستمر لسنة أو سنتين

السابق
حزب الله ينفي ما أشيع عن تشييع نصر الله غدًا الجمعة
التالي
الرئيس الإيراني: إذا ارتكبت إسرائيل أدنى خطأ ضد إيران فستتلقى ردا أقوى بكثير