عن «حنين» اللبناني العالق بين النزوح والدمار والغارات!

Lebanon refugees

تتجلّى أهمية الحنين، في كونها لا تنحصر في علاقة الفرد مع ما عاشه من تجارب في الماضي فحسب، و إنما أيضاً تطال الجانب النفسي من حياته. وبذلك يتبدّى حاجة و أيضاً ضرورة، لأنه يسهم في الحفاظ على تواصل الفرد مع ماضيه، الذي يراكم الكثير من معاشات طفولته و مراهقته….ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن الحنين يمتلك بعداً نفسياً مهماً، من خلال هذه العلاقة مع الماضي التي تشكل ، بحسب النظرية الفرويدية، ركناً أساسياً في البناء النفسي للفرد.

وبما أن الحنين يرتبط بالرجوع إلى مخزون المعاشات الماضية واستعادة ما يتعلق بها من ذكريات، فإننا نجده متلازماً مع حياة الفرد لأن الماضي يشكل جزءاً منها و لا يمكن أن ينفصل عنها. وكما هو معلوم، لا وجود للحاضر من دون أن يسبقه ماضٍ و لا حتى للمستقبل!!…

الحنين هو مفهوم نفستحليلي، لأنه يتضمن العودة إلى المكبوت

ويفرض تناول الحنين مقاربته من زاوية نفستحليلية، ولو بإيجاز، بهدف فهم أعمق لتأثيره في حياة الفرد . “يتحرّك” الحنين بطريقة لا واعية من خلال الرجوع اللا إرادي إلى الذكريات المكبوتة ، فيعمل على إيقاظها بفعل ما يختبره في الوقت “الآني” سواء كان صدمة أو أي حدث آخر. بتعبير أوضح، يسهم الكثير من الوضعيات الحالية أو الحاضرة باسترجاع “لاواعٍ” للانفعالات التي تمّ اختبارها في الماضي، فيشدّ الفرد نحو ماضيه و يسحبه إليه. وعلى هذا النحو، يمكن القول أن الحنين هو مفهوم نفستحليلي، لأنه يتضمن العودة إلى المكبوت. وكأن الذكريات المكبوتة تعود إلى الواجهة!… وفيما يتعلق بالطفولة التي تؤدي دوراً كبيراً في تشكيل اللاوعي من خلال العلاقة مع الوالدين ، وسيما الأم، بالإضافة إلى مُعاشها، فإن الحنين يتبدّى بمثابة “زيارة” لأوقات عشنا فيها الأمان و اختبرنا شعوره “الجيد”. وهنا، يكشف عن رغبة لاواعية في استعادة هذا الوضعية “المبكرة”، التي حملت معها الاستقرار.

كأن اللاوعي يخلق صورة يجمّل بها الماضي، في سبيل حماية الأنا من قلق الحاضر

بتعبير أدق، يعد الحنين أوالية دفاعية تمكّن الفرد من مواجهة الصعوبات الحاضرة و الحالية، من خلال ما يسمى بمثلنة الماضي. و كأن اللاوعي يخلق صورة يجمّل بها الماضي، في سبيل حماية الأنا من قلق الحاضر.

ومن جانب آخر، يفرض الواقع اللبناني الحالي والمرير، تناول موضوع الحنين بسبب ما تختبره شريحة واسعة من اللبنانيين من نزوح قسري، بالإضافة إلى التدمير الذي تلحقه الغارات الصهيونية “المجنونة” بالمجمعات السكنية الآمنة. لقد خسر هؤلاء منازلهم، و فقدوا معها الكثير من الذكريات سواء كانت جميلة أم لا!…

يرمز المنزل، وكما هو معروف، إلى الأمان و الاستقرار و “التجذّر”، وما اختبرناه من تجارب شخصية فردية وأسرية وعاطفية . ومن هذا المنطلق، يحمل الابتعاد عنه “بالإكراه” و خسارته معهما فقداناً للأمان والاستقرار، باعتباره يشكل رمزية للشعور بهما. ويأتي هذا الواقع المرير ليفرض تعلّقاً أكبر بالذكريات المرتبطة بالمنزل، كتناول الطعام و مشاهدة التلفاز سوية وتمضية أوقات التسلية ….. للتعويض عن فقدانها. بتعبير أوضح، تطلق خسارة المنزل جرحاً نرجسياً يصعب تخطيه!….

من جهة أخرى، يعد فقدان المنزل مرحلة انتقالية بالغة الحساسية في حياة الفرد. إذ يواجه في بدايتها الكثير من الصعوبات التي تعيق التكيف سواء كان على مستوى المكان الجديد أو على المستوى النفسي ، أو الإثنين معاً. تشكل هذه الخسارة انقطاعاً مع ذلك الجزء الحميم و الجميل وأيضاً “البريء” من الذات نفسها . كما تعني عدم العودة إلى هذا المكان الأليف و المألوف معاً.

في المحصلة، يسهم الحنين في اعطاء حياة الفرد نكهتها الجميلة، إن صح التعبير، لأنه يحمل معه ما خبّأه الفرد من ذكريات و تجارب قد يصعب إعادة اختبارها من جديد.

ويبقى السؤال، أذا لم يكن هناك من حنين، فكيف سنعيش الماضي برونقته؟!

السابق
قتال وجهاً لوجه ومن مسافة صفر.. هل تم أسر جثة جندي اسرائيلي؟
التالي
«مسؤول عن عملية مجدل شمس».. اسرائيل تدعي اغتيال خضر الشهابية