للخيانة وللعمالة عنوان واحد.. العمل ضدّ الوطن!

انفجار المرفأ

تمّ في الرّابع من آب 2020، تدمير مرفأ بيروت. كيف؟ ولماذا؟ كنّا نعلم منذ اللّحظة الأولى، أنّ إسرائيل، قصفت المرفأ بطائرة شبح (إف 35). سمعنا هدير الطّائرة مثل ألوف اللّبنانيّين المقيمين في محيطنا الجبليّ بجوار بيروت. وسمعنا الإنفجار الذي حصل لحظتها. قلت لزوجتي فورا، أنّه خرق لجدار الصّوت، أو طلقة صاروخ. سمعنا المدافع الرّشاشة المضادّة للطّيران في محيط منطقة جزين، وهي تطلق رشقاتها على الطّائرة خلال عودتها من مهمّتها. أسرعنا لنتابع الأخبار. سمعنا مذيعيّ الأخبار في تلفزيون أم تي في، يتحدّثان عن حريق في مخزن في المرفأ، وينقلان صورا مباشرة لإطفائيّين يهرعون لإطفائه. قطع المذيع مشاهد الصّور من المرفأ، لينقل أنّ بنيامين نتيناهو، صرّح بأنّ إسرائيل قصفت مستودعا في المرفأ يحوي أسلحة لما يسمّى “مقاومة”. بعد دقائق، حصل انفجار هائل، إهتزّ له بيتنا على الجانب الشّرقيّ من الجبل المطلّ على بيروت. تساءل المذيع عمّا حصل؟ بدأت معالم الكارثة تتّضح. تدفّقت صور كارثة الدّمار في المرفأ، والحديث عن أشلاء الضّحايا المتطايرة في كلّ صوب. إنتشرت الفيديوات تنقل هول ما حصل.

تبيّن أنّ قصف مستودع أسلحة حزب إيران في المرفأ وحريقه، نفثا حرارة كبيرة أدّت إلى إنفجار أطنان من مادّة النّيترات

وصف العالم ما حصل في بيروت، بأنه أكبر كارثة بعد تشرنوبيل في أوكرانيا. تبيّن أنّ قصف مستودع أسلحة حزب إيران في المرفأ وحريقه، نفثا حرارة كبيرة أدّت إلى إنفجار أطنان من مادّة النّيترات المخبّأة في مستودع آخر قريب.

إهتزّ الضّمير البشريّ لهول الكارثة. لكن، هلّ اهتزّ ضمير المسؤولين في بلدنا؟ لا… بدأت التّورية سريعا على هذه الجريمة. أصبح همّ المسؤولين إخفاء جريمتهم في التّورية عن هذه النّيترات.

كلّ التّحرّكات الرّسميّة، كانت شكليّة، ومحدودة ولا توازي حجم الكارثة

إختفى تصريح نتيناهو بقصف المرفأ. ظهر سريعا بدلا عن ذلك، محلّلون عسكريّون يقنعوننا، بأنّ ما حدث هو نتيجة اشتعال أسهم ناريّة. تدفّقت البواخر الحربيّة الأجنبيّة على مسمع وأنظار المعنيين في السّلطة، فأقامت طوقا حول المرفأ، في حين لم تهتمّ السّلطة بالإمساك بالتّحقيق لمنع إزالة الأدلّة. كلّ التّحرّكات الرّسميّة، كانت شكليّة، ومحدودة ولا توازي حجم الكارثة، والمسؤوليّة الوطنيّة عن مثل هذه الكارثة التي يفرضها الدّستور والقانون. حتّى ما يسمّى مقاومة التي تريّثت في التّعليق على الحدث، أنكرت دور إسرائيل في قصف المرفأ. بدأت الصّحف المحلّيّة، والإقليميّة، والدّوليّة، تزيل ما كتبته من تحليلات تدين فيها إسرائيل.

كنّا ندرك واقع الحال. لطالما قلنا، أنّ وطننا ساحة حرب مفتوحة ومستمرّة منذ عام 1969. كنّا مقتنعين أنّ ما حصل، هو جزء من الحرب المستمرّة بين إسرائيل وأعدائها على أرض لبنان. كنّا نعلم، أنّ الحكومة لن تقدم على أيّ إجراء عمليّ، لأنه سيفضح مسؤوليّتها، ويدينها.

كنّا على قناعة أنّ السّبب في تلكّؤ الغرب عن إحقاق العدالة للبنان وشعبه، ليس حماية إسرائيل فحسب، بلّ النّظام السّوريّ أيضا

طالب رؤساء أحزاب بتأليف هيئة تحقيق دوليّة. لكن من سيؤلّف هذه الهيئة؟ يفترض أن يقوم مجلس الأمن بتأليفها على غرار ما قام به بعد اغتيال الرّئيس رفيق الحريري عام 2005. لم تطالب الولايات المتّحدة بإنشاء مثل هذه الهيئة. لم يفاجئنا ذلك. فالولايات المتّحدة، لن تسمح بإدانة إسرائيل. لكنّنا، كنّا على قناعة أنّ السّبب في تلكّؤ الغرب عن إحقاق العدالة للبنان وشعبه، ليس حماية إسرائيل فحسب، بلّ النّظام السّوريّ أيضا. إسرائيل، لم تقصف النّيترات بلّ مخزن سلاح لعدوّ لها موجود في موقع مدني. وعليه، فإنّ عدوّها، هو المسؤول عن الكارثة.

لم ترغب ألولايات المتّحدة، ومن خلفها بريطانيا العظمى، بإظهار الحقيقة لا من خلال محكمة دوليّة، ولا حتّى من خلال محكمة وطنيّة. كان واضحا لواشنطن كما ولندن أنّ النّيترات التي سبّبت هذه المأساة، كانت مخبّأة في المرفأ بحماية ما يسمّى مقاومة، وبتغطية من الحكومة، وبصمت دوليّ، بغرض استخدامها في البراميل المتفجّرة في حرب بشّار الأسد ضدّ شعبه. لم تهتمّ الولايات المتّحدة لمتابعة هذه الجريمة، وإحقاق العدالة للبنان وشعبه. فعائلة الأسد، ألتي استخدمت الأسلحة الكيميائيّة ضدّ شعبها في الثمانينيّات، والتي لم تتردّد في استخدام النّيترات ضدّهم أخيرا، هي التي تنازلت عن الجولان عام 1967. وهي التي خاضت الحروب مع أميركا وإيران ضدّ العراق. وهي التي كانت تعمل جاهدة للقضاء على الإستقلاليّة الوطنيّة للمقاومة الفلسطينيّة، ممّا ينهي أيّ دور فلسطينيّ في التّفاوض على سلام محتمل مع إسرائيل. وهي التي حمت أيضا إيران الخمينيّة في انتشار فكرها الإيديولوجيّ، وولاية الفقيه على أرض سوريّا، وفي لبنان، ممّا أثار العامل الدّينيّ بين أهلهما، ودمّر كلّ مفهوم قوميّ ثوريّ حقيقيّ كان الشّعبان مبعثا له عبر التّاريخ الحديث.

كنّا نعلم، أنّ القضاء رغم احترامنا له، لن يسمح له بالتّحقيق بهذه الجريمة. فهل يسمح المسؤولون بإدانتهم؟ سارعنا إلى الطّلب بتحويل جريمة تفجير المرفأ إلى المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، محتجّين أنّها جريمة ضدّ الإنسانيّة، وليست جريمة حرب فحسب. قمنا بمشاركة رموز من المجتمع بتقديم كتاب إلى أمين عام الأمم المتّحدة، نطالب فيه بتحريك العدالة الدّوليّة. وأقمنا مؤتمرا لهذا الغرض. وبدأنا جولة على السّياسيّين المعنيّين لإقناعهم بوجهة نظرنا. أصدرنا كتابا يشرح الحقائق. لم ننجح. يعرف الجميع، وخاصّة ضحايا التّفجير، كلّ هذه الحقائق، وما تبع من تفاصيل.

يستمرّ شعبنا وقودا في حرب الشّرق الأوسط الجديد

يستمرّ شعبنا وقودا في حرب الشّرق الأوسط الجديد. وها هي الأمور تزداد تدهورا، ووطننا على شفير حرب شاملة لا تبقي ولا تذرّ. الصّمت على جريمة المرفأ، ليست سوى حالة من عشرات الحالات التي دفع شعبنا وبلدنا فيها أثمانا غالية بتواطؤ السّياسيّين المحلّيّين، لنزاعات لا ناقة لهم فيها، ولا جمل. أشبعونا شعارات بتحرير القدس ولو عن طرق في بلدنا، سواء من جونية، أو بيروت، أو الجنوب الغالي. يقومون وبكلّ وقاحة، باتّهام من يطالب بوقف استخدام بلدنا ساحة لحروب الآخرين على أرضه، بما في ذلك الحرب من أجل فلسطين والقدس، بالخيانة والعمالة. والله، لا خائن وعميل أكثر من الذي يبيع صوته، وبيته، وأرضه، ووطنه، بالدّولار الأخضر، أو يفدي ناسه وشعبه من أجل آخر، كائن من كان هذا الآخر. سيأتي الوقت الذي يحاسبكم فيه أولادنا.

السابق
الحزب يُخرج «المحظيين» من الضاحية.. وبيئته «لن تخوض البحر معه» هذه المرة!
التالي
قائد كبير في «الحرس الثوري» يصل جنوب لبنان.. والصواريخ تتدفق إلى سوريا و«لا من شاف ولا من دري»