الدّروز بين الإنتماء القوميّ.. والوطنيّ

السفير هشام حمدان

ثارت مؤخّرا مناقشات حادّة، بشأن استقبال سماحة شيخ عقل طائفة الموحّدين “الدّروز” في إسرائيل، لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. كتب السّيّد وليد جنبلاط تعليقا بهذا الصّدد، يلوم سماحته، ويعتبر أنّه أساء إلى ما أسماه “تاريخ، وإنتماء، وهويّة، وتضحيات الموحّدين “الدّروز” على مرّ السّنين، معتبرا أنّ هذا التّاريخ ليس ملكا لشخص، أو لجهة، لتتصرّف به من منطلق ظرفيّ أو آنيّ، بلّ هو أمانة تاريخيّة، ومسؤوليّة للمستقبل”.

إعتبر السّيّد جنبلاط، أنّه كان من الأفضل لـ”كرامة الطّائفة”، ” أن لا يتمّ استقبال نتنياهو، تحديدا في ظلّ العدوان القائم على الشّعبين الفلسطينيّ، واللّبنانيّ، وأن لا يتمّ إقامة ولائم الغداء له، التي تستبيح بالشّكل والمضمون مشاعر، وكرامات الفلسطينيين القابعين تحت القصف، والحصار، والجوع”. وتمنّى لو أنّ سماحة شيخ العقل ” أدان العدوان على الشّعب الفلسطينيّ، والمدنيّين الأبرياء، والأسرى”. فهذا الموقف، كان “كفيلا بوضع حدّ لكلّ الهجمات التي تتعرّض لها الطّائفة”. وسأله، من باب الحرص أيضا، “لماذا هذا الخوف، أو التّردّد في اتّخاذ موقف مناهض لما تقوم به حكومة نتنياهو، وأنت الرّئيس الرّوحيّ لطائفة عريقة مرموقة عربيّة إسلاميّة، واجهت الكثير، ولها موقعها الذي يهابه الجميع؟”

توقّفت طويلا عند هذا التّعليق، لا سيّما لما تبعه من مواقف شاجبة لاستقبال سماحته رئيس حكومة تلّ أبيب، أو تهاجم السّيّد جنبلاط، ودور البيت الجنبلاطي التّاريخيّ في محيطه. هذا الجدل الذي لا طائل منه، لا يضرّ سوى بأصحابه، ويفتّت عضدّهم، ويأخذهم في مسارات بعيدة عن الواقع ممّا يضرّ في المحصّلة، بمصالحهم بين الجماعات حيث يقيمون.

البعض يعتبر الموحّدين الدّروز في إسرائيل، من أهل الدّاخل في فلسطين. لكنّهم واقعيّا، هم مواطنون في إسرائيل، وإن كنّا في لبنان، وبعض الدّول الأخرى، لا نعترف بها حتّى الآن. هم يحتفظون بالولاء لتلك الدّولة. وتحمل النّظرة إليهم بعدين: البعد الدّينيّ، والبعد الوطنيّ. علينا أن ندقّق في الفارق بين الإنتماء الدّينيّ، والإنتماء الوطنيّ. للدّروز في إسرائيل ولا شكّ، إنتماء دينيّ مترابط مع باقي الدّروز في لبنان، وسوريّا، والأردن. لكنّ انتماءهم الوطنيّ، يختلف. ليست إنتماءات الدّروز الوطنيّة واحدة. ولا يمكن أن تكون واحدة. وعليه، من الضّروريّ التّعاطي بتمييز بين التّرابط الدّينيّ، والتّرابط السّياسيّ. ليس من واجب رجال الدّين التّعاطي مع المسائل السّياسيّة، التي هي شأن الأحزاب السّياسيّة. للمشايخ رؤيتهم ودورهم في حفظ الطّائفة ككيان دينيّ، له حيثيّته الخاصّة. أمّا الأحزاب السّياسيّة، فهي التي تعنى بالمواقف السّياسيّة. لكم طالبنا إستبعاد التّدخّل السّياسيّ مع الهيئات الرّوحيّة للطّائفة.

نحن نشارك بكلّ ما يمكننا، للتّأثير بفضح الممارسات الإجراميّة للسّلطات في إسرائيل، وللإضاءة على الظّلم اللّاحق بأهل فلسطين. وقد شرحنا مرارا أنّ قضيّة فلسطين، ليست قضيّة دينيّة، أو قوميّة، بلّ هي قضيّة الضّمير العالميّ. إستمرار التّعاطي مع هذه القضيّة من منطلق الإنتماء الدّينيّ ( ألإسلاميّ، ألمسيحيّ أو اليهودي)، لعبة إستعماريّة مستمرّة منذ قرون، ما يجعلها قنبلة في صراع للحضارات لا طائل منه.كما أنّ استمرار التّعاطي مع هذه القضيّة من منطلق قوميّ، سيؤدّي إلى زوالها، فهو يضعف أو يلغي دور أهل القضيّة.

لطالما يشير القوميّون عند الحديث عن الدّروز، إلى تاريخهم، وتراثهم، وهويّتهم عبر السّنوات. كأنّهم يريدون القول، أنّها طائفة حملت القوميّة العربيّة على أكتافها عبر التّاريخ. لا نوافق على ذلك. فنحن نعتقد، أنّ التّراث الذي أقامه الدّروز من التّنوخيّين، إلى المعنيّين، فالشّهابيّين، إتّصل عمليّا بدورهم في الصّراع بين العثمانيّين، وأعدائهم، وكذلك في الصّراعات المحلّيّة بين الولاة. كانوا يدينون بالولاء للسّلطنة عبر ولاة يحكمونهم بإرادة السّلطان.

قامت لعدد من الولاة طموحات سلطويّة، ومادّيّة، دفعتهم إلى التّمدّد على حساب ولاة آخرين.

حصلت خلافات بين الولاة، فتحرّك النّاس لخدمتهم، كلّ حسب ظروفه الخاصّة، ومصالح زعمائه. وقد سعى فخر الدّين المعني الكبير نفسه، إلى إقامة إمارة خاصّة في بيئهّ مختلطة من سكّان الجبل ومحيطه، تكون مستقلّة عن السّلطنة، من دون أيّ عنوان قوميّ آخر، لها. إرتبط واقعيّا بعلاقات مع توسكانا في إيطاليا.

لا أريد أن أتعمّق كثيرا بهذا الجانب، بلّ أردت القول، أنّ تاريخ الدّروز في هذه المنطقة، لم يكن له بعد أيّ بعد قوميّ عربيّ، بلّ كان جزءا من النّظام السّياسيّ الذي قام في عهد السّلطنة، ومن الصّراعات المحلّيّة التي سادت. كما أنّ علاقاتهم مع الغرب، وأوروبّا كانت مميّزة، حيث استضاف الدّروز البعثات التّبشيريّة البروتوستانتيّة، الأميركيّة، والبريطانيّة.

أمّا القوميّة العربيّة، والعروبة التي تضجّ بها صالوناتنا الدّرزيّة، فقد كانت استراتيجيّة إستعماريّة بريطانيّة من أجل إضعاف، وتدمير السّلطنة العثمانيّة، واحتلال الشّرق. بدأت بالتّنامي بشكل ما أواخر القرن التّاسع عشر، عبر تبادل الثّقافات العربيّة القطريّة، بلّ أنّها اختلطت كما يقول رشيد الخالدي، بالوطنيّة المحلّيّة. تطوّر هذا المفهوم ليتحوّل جاذبا سياسيّا أوائل القرن العشرين، مع بروز ما سمّي بالثّورة العربيّة، بقيادة الشّريف الحسين والي الحجاز. كلّنا يعرف دور لورانس العرب ببعث هذه الثورة. إحتلّت بريطانيا بسيوف أهل ألعرب، فلسطين، والقدس. وبدأت مشوارها في إقامة الدّولة اليهوديّة، فيها.

تطوّر مفهوم الثّورة العربيّة ليصبح ولاءا وطنيا خاصّة، بعد تقسيم المنطقة. برز هذا الولاء في صورة صراع من أجل الإستقلال الوطنيّ من السّيطرة الفرنسيّة، والبريطانيّة. حصل تجاذب عميق بين الإنتماء الوطنيّ، والإنتماء القوميّ. ففي حين كان طه حسين يقول: أنّ مصر فرعونيّة، وأنّ المصريّين فراعنة، كان ساطع الحصري، يبذل كافة الجهود لوضع الفكرة القوميّة العربيّة على طريق التّنفيذ.

يمكن القول أنّ الثّورة في فلسطين بين عاميّ 1936 و1939، هي التي أضاءت من جديد شعلة الفكر القوميّ العربيّ. تحوّلت فلسطين إلى القضيّة التي يٌجمع النّاس في كلّ دول المنطقة، على اعتبارها المعبّر عن شخصيّتهم القوميّة. مرّة أخرى، كانت بريطانيا أوّل من تحدّث بصورة رسميّة، عن كيان سياسيّ يجمع الدّول العربيّة، بهدف تقوية الرّوابط الثّقافيّة، والإقتصاديّة، والسّياسيّة بينها، حيث كانت تعمل لجذب العرب إلى جانبها في الحرب العالميّة الثّانية. نشأت فعلا عام 1945، جامعة الدّول العربيّة.

يُعتبر الرّئيس جمال عبد النّاصر، أبرز من دفع بصعود القوميّة العربيّة بعد الحرب العالميّة الثّانية.

إرتبطت العروبة عند عبد النّاصر، بالمواجهة مع الإستعمار، ورفض سياسة الأحلاف، والنّضال لتحرير فلسطين. وقد تأثّر الشّهيد كمال جنبلاط كثيرا بالفكر النّاصريّ، فاجتمعت مفاهيمه الفلسفيّة بالمفاهيم القوميّة. برزت عند مؤسّس الحزب التّقدميّ الإشتراكيّ، هذه الإندفاعة نحو العروبة.

إنساق الدّروز خلف كمال جنبلاط في النّضال تحت عنوان العروبة، من أجل قضايا التّحرّر، ومن أجل فلسطين. خرج الدّروز من ولائهم الوطنيّ، من أجل فلسطين، ما أدّى بهم سريعا، إلى حروب مع شركائهم في الوطن.

بعد كلّ تلك السّنوات من النّضال القوميّ بإسم تحرير فلسطين، ها نحن اليوم أمام عروبة مختلفة.

سقط المفهوم القوميّ العربيّ كلّيّا. وما يسود الآن، هو صراع دينيّ تحت عنوان تحرير القدس. قال لي سفير الإمارات عام 2018: عن أيّة عروبة تتحدّثون؟ نعم،الدّروز، لا حماية لهم خارج الولاء الوطني. هذا ما فهمه مشايخ الدّروز في إسرائيل. هم أكثر وعيا منّا.

السابق
الحرب «المطوّلة» بديلا من «الشاملة».. و«عدلون» رسالة مشفرة بعد «تل أبيب»!
التالي
كمين محكم أمام «اللقيس».. اليكم ما حصل!