اعتبر الدكتور مصطفى حجازي التخلف أحد المسبّبات الرئيسية التي تودي بالمجتمع، لأنه يجعله فريسة سهلة للعصبية والقهر والهدر، وهوامات الحصار والحرمان، و يوقعه ضحية للاضطرابات النفسية والأزمات الاجتماعية والثقافية، لذلك تتحول الجماعة المصابة بالتخلف، إلى مجتمع خانع وعاجز، وواقع تحت “رحمة” التسلط!
ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن كلّ مجتمع متخلّف، لا يناسبه التقدّم، يسعى إلى محاصرة أفراده بعناصر هذا التخلّف، ليحافظ على استبداده، بدءًا من حرمانهم “من كل شيء”، فيُشعرهم بأنهم “غرباء” ليس فقط عن محيطهم، وإنما غرباء عن بعضهم البعض.
كلّ مجتمع متخلّف يسعى إلى محاصرة أفراده بعناصر هذا التخلّف ليحافظ على استبداده، بدءًا من حرمانهم “من كل شيء”، فيُشعرهم بأنهم “غرباء” في محيطهم، وعن بعضهم البعض
ويأتي هذا الشعور بالغربة الناجم عن التهميش، ليغذّي العجز عند افراد المجتمع المتخلف، لذلك يقعون ضحايا للاكتئاب، ومن ثم يصبحون عاجزين عن الانتفاضة على واقعهم المأزوم، وبحسب حجازي، “من يكتئب، فهو عاجز عن الثورة أو محروم منها.”
عناصر التخلف في المجتمع
قارب حجازي واقع المجتمع المتخلّف، من خلال نقاط عديدة نذكر منها “العصبية”، ومكانة “المرأة” و معها “الأب”، و”علاقة الدين بالسلطة”، و”الحرمان” الذي يعاني منه الجيل الشاب. بتعبير أدق، تشكّل النقاط المذكورة، معايير لها مدلولاتها على التخلف.
تتبدّى العلاقة بين العصبيات الأصولية والاستبداد وثيقة، ودائماً بحسب حجازي، تجذب الأصولية الدينية المهمّش، و تعدّ العصبية ملجأً للمقهور، الذي يصب عدوانيته على من هو أضعف، محاولاً قلب الموازين لمصلحته من خلال اللجوء إلى العنف، الذي تغذّى مسبقاً على الشعور بالقهر والعجز، وبدوره، يقوي هذا العنف الأصولية، التي اعتبرها حجازي وجهاً آخر للعنصرية.
أن” تحالف السلطة والدين قد يكون أقوى آليات التحكم وبالتالي حصار الانسان وهدر إرادته، فتداخل الدين مع السياسة اجاز للحاكم المتسلط الاطباق على حياة الفرد
باختصار، تشكل العصبية ملاذاً آمناً، يحمي المتخلف من الشعور بالقهر والعجز.
لم يهمل مصطفى حجازي الوضع الدوني للمرأة، بل اعتبره “عارضاً” من أعراض تخلف المجتمع، إذ لا يمكن فصل تحرر المجتمع ومعه الرجل، عن تحرر المرأة. و برأيه، يسعى المجتمع إلى التعويض، عن قهره الذي يكابده في علاقته مع المتسلّط، إلى صبّ مأزقه “على المرأة من خلال تحميلها كل مظاهر النقص والمهانة التي يشكو “.
وفيما يتعلق ” بالحب التملكي” للأب، فإن المجتمع المتخلف يعترف له بملكية افراد أسرته، و يجيز له التصرف بهم، و كأنه بذلك يصرف اهتمامه عن مطالبته بحقوقه المسلوبة “كإنسان”، ومن ثم يعوضه عن شعوره بعدم القدرة على تغيير واقعه المأزوم.
وبدورها، شكّلت العلاقة بين الدين والسلطة، إحدى الدلالات المهمة على تخلف المجتمع. بحيث اعتبر حجازي، أن” تحالف السلطة والدين قد يكون أقوى آليات التحكم، وبالتالي حصار الانسان وهدر إرادته”، بمعنى آخر، أجاز تداخل الدين مع السياسة للحاكم المتسلط، الاطباق على حياة الفرد من خلال “المقدّس”، الذي يجذّر “الانعزالية” المغذية للعصبية، باعتباره “يهدم جسور التواصل مع الآخر”.
ويأتي التماهي مع الزعيم المتسلط، ليشكل مأوى “حيوياً”، إن صح التعبير، لدى المقهور الذي”يستخدم أسلوب السيد المتسلط نفسه، ويخاطبه بلغته نفسها”، إذ يؤدي التماهي دور أوالية دفاع ، للهروب من الشعور بالعجز الذي يحاصره.
ودائماً بحسب مصطفى حجازي، فان الجيل الشاب الذي يتم حرمانه من “المشاركة في قضايا صناعة المصير” من خلال تهميشه، يُلقى به في العصبية والأصولية والاحباط والعجز.
طائفية لبنان والتخلّف العربي
في معرض مقاربته النفستحليلية للواقع العربي، والذي يشكل لبنان جزءًا منه، تناول حجازي اللاوعي الجمعي العربي. بالنسبة إليه، يتشكل هذا الأخير من ثلاثية تتمثل في ” العصبيات والفقه السلفي والاستبداد”، وتبقي المجتمع “محصوراً” في الماضي، وهو” يمسك بالتقاليد والاعراف بدل التصدي للحاضر والتطلع نحو المستقبل”. ومن هذا المنطلق، يعتبر حجازي أن المجتمع العربي، لم يستطع نهل ما يمكن نهله، من الثورة الصناعية والثورة الرقمية، لكي يدخل عالم “التقدم”، كما بقي عاجزاً عن المبادرة في أن يكون شريكاً مساهماً، مع “الدول الناهضة” في تأسيس التقدم و بنائه، ولم يأخذ من هاتين الثورتين إلا “نتف”، أي بعض ما هو سطحي، ولهذا السبب وقع العالم العريي تحت الهيمنة الخفية، التي تسببت باضطرابات نفسية، نذكر منها على سبيل المثال، “رهاب البقاء دون المحمول، والقلق في انتظار اللايكات….”، مما أدى إلى تعزيز النرجسية المرضية، بتعبير أكثر دقة ، بقي الانسان العربي “هجيناً”، على حدّ تعبير حجازي، فهو ” المستهلك للانتاج الصناعي والرقمي، و متمسك بالبنى الاجتماعية التقليدية!”.
“العصبيات” غذّت لدى الشباب الخواء الذاتي من “خلال تفريغ العنف والاحباط، عن طريق الشعور بالقوة والانتصار بالانتماء لما يُقدم لهم على أنه “المقدس”
وكان من الطبيعي، أن يتخذ مصطفى حجازي من الواقع اللبناني، مثالاً على المجتمع المتخلف وخنوعه وعجزه . حيث تناول الانقسام الطائفي والمذهبي الذي أوجده التقسيم القائم في قطاعات الدولة، التي تم التصرّف بها على أنها “مرعى” أو “مصالح ومناصب ومغانم”، وحدث أن استغلت هذا الانقسام، دول أو قوى خارجية لمصلحتها، كما أشار إلى أن ما يجري من اسقاط الحق و”تضييع” المسؤولية في الكثير من الاحداث الخطيرة، كانفجار بيروت ٢٠٢٠ على سبيل المثال، ما هو إلا دليل واضح على التخلف الذي يغذي تقويض العدالة.
وأما بالنسبة إلى الجيل الشاب، فيسميه حجازي “بشباب الظل”، لانه لم يتمكن من الدخول في العملية الانتاجية، وبقي على هامشها كما يفتقد للأهلية الاجتماعية والمكانة. ويعود السبب في ذلك، إلى استغلال هؤلاء من قبل مافيا “العصبيات” التي غذّت لديهم الخواء الذاتي، من خلال تفريغ العنف والاحباط، عن طريق الشعور بالقوة والانتصار بالانتماء، لما يُقدم لهم على أنه “المقدس”.
اما فيما يتعلق بالحياة السياسية، فقد أصبحت مرجعيتها في “الحكم الإلهي”، الذي أمعن في ضرب ديمقراطيتها.
خلاصة ما يستنتجه الدكتور مصطفى حجازي، هو ان العالم العربي، لم يستطع التحرر من التخلف، الذي يسمح له بمقارعة الدول الناهضة والمتقدمة، فبقي أسيراً لهذيانات المقدس وهوامات التعصب، التي يلجأ إليها في كل مرة، يشعر بالعجز عن الانجازات المتقدمة سواء على المستوى العلمي أو التكنولوجي أو حتى السياسي….
في خضّم التخلف الذي يعصف بالمجتمعات العريية، ومنها اللبناني، يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستبقى مجتمعاتنا رهينة التخلّف، وإلى متى سيستيقظ الفكر من سباته الذي كرسته العصبية والسلفية الدينية ومعهما الاستبداد المتمثل في مرجعية “الحكم الإلهي” أو “الحكم الأمني “؟
أخيراً، وكما يقول مصطفي حجازي، تبقى الهوية “ما نصنعه بحياتنا ومصيرنا، وما نقدمه من انجازات، وليس مجرد التغنّي بأمجاد الأجداد”!

