إنها رواية ـ وادي هنوم ـ للكاتب “علي سبيتي” وعرَّفها بأنها حكاية أبعد من الحكايا، يختزل فيها أمة بأكملها تحت عمامة رجل يتكلَّم نيابة عنها، وأزاحت هذه الأمة عن كاهلها همَّاً أراحها الله منه، وأجَّرت عقلها بعقد إيجار إلى أبعد أجل من الأجلين، غاية ما في الأمر بأنَّ حكايتها صورة “كاريكاتورية” وليست بصورة “فُتوغرافية” لأنَّ التجارة مع الله والناس ـ رجالاً ونساءً ـ أقوى من التنافس على الوقائع والأشياء والأمور والأغراض الرخيصة، لأنَّ تجارة الأشياء والأغراض لربما تنتهي وتزول بزوالها، وأما تجارة الله والناس باقية ولا تزال تجارة في عالم الغيب وقد تظل في عالم الغيب مدى الحياة، ويبقى الفرق بين الرواية والدراية، فرق ما بين كتاب العاقل وسرير الكهنوت.
تميَّزت الرواية بأسلوبها الأدبي على مجمل نصوصها، وبالعنوان ـ وادي هنوم ـ وهو مكان يقع بالقرب من مدينة أورشليم بحسب الكتاب المقدَّس وكانت تقدَّم فيه ذبائح بشرية من الأطفال دون 3 سنوات من قِبَل الكنعانيين للآلهة، وقد شُبِّه هذا المكان بجهنم ـ وقد استعمله الكاتب بأسلوب مجازي ليشير إلى العذاب عندما يغتال الكهنوت العقل بالوهم وتغييب الوعي تحت غبار الكلمات ويخوِّف الناس من عذاب جنهم ويستنزل غضب الله عليهم، ويرفعه عن المنعَّمين والمترفين، بمعنى أنه يرفع الظلم الاجتماعي عن عاتق الظالمين ويضعه على عاتق المظلومين، الذين يروحون بدورهم يكثرون من الاستغفار والتضرُّع وطلب التوبة، وبهذا يستريح الطغاة من عذاب الضمير ويروح هذا الكهنوت مردّداً ـ آمين ـ ويجيد العزف على هذه المعيارية الظالمة، وغارقاً في الملذات والترف وحب المال وكعاثب النساء ويغرف منها ما يشاء وسط استغفار الفقراء وإنابتهم وتوبتهم.
رواية يختبئ فيها تفاصيل ما تبقَّى من أمةٍ في عمامة ـ بحسب تعبير الكاتب ـ وضلَّلت سائرين امتدَّت ظلالهم حتى حدود الوهم، وطالت بهم طريق التَّيه ـ لا فرق بين ثقافة الكنيسة والحوزة والكهنوت، وبين ثقافة اليساريين الذين يمتشقون سيوف بني عبس ورماح بني أسد، الذين لم يزالوا يتخبطون في ماضوياتهم الفكرية والثقافية والعقائدية، لأنها في النهاية نتاج الحالة الثقافية المجتمعية السائدة والراكدة والواقفة، والغارقة أيضاً بذات التهويمات والمنقولات والأدلجات، والتي بقيت حبيسة الأوهام والأطر الهوياتية الضيقة، وإلى يومنا هذا لم تستفق كلَّ من الثقافتين من وهم الأيديولوجيات القومية والدينية، ولم يفق منهما أحد من زيف المشاريع الخاسرة، وعلى الرغم من كل المتغيرات والتحولات التي تعصف اليوم من حولنا، ولأنَّ كل مؤدلج منهما هو صنيع تراكمات الهزائم العربية والإسلامية، ولم يزل المثقف ـ القومي والديني ـ المؤدلج إلى هذه اللحظة يدافعون عن القضايا المصيرية ـ بحسب الزعم والوهم ـ لأمتهم العربية والإسلامية ويجدونها أهم بكثير من الدفاع عن حقوق الإنسان في أرضهم ووطنهم. وأما ثقافة ـ الحوزة والكنيسة ـ كما كانت قديماً تبيع تذاكر لدخول الجنة، وتعالج السعال الديكي بلبن الحمير، وتحرق الساحرات والكتب والقطط والكلاب في الساحات العامة، لأنَّ الكهنوت هم وعاظ السلاطين ورجال الدين حيث لا رجال دين في الدين، واليساري المؤدلج متأهب دائماً لطلي مساحيق التجميل لوحش قارط وقارض، ويحلِّلون ـ نسخة طبق الأصل عن الكهنوت ـ بنصوص نزلت ضد الظلم والبغي والعدوان، بلحى أو بربطة عنق وطرابيش وعمامة وجبة مختلفاً ألوانها وجدد حمر وغرابيب سود.

إنها حكاية يظهر فيها بعد أن يرمي القارئ مطرقته ويرتدي قلق العقل وشكِّه ووجعه، وجنوحه نحو التنقيب في ذاكرة، يجد نظام الكهنوت بقسميه ـ السياسي والديني ـ نظاماً شمولياً ظاهره الرحمة وباطنه العذاب ويحرقك في وادي هنوم، وتبقى الأمة الإسلامية والقومية تنتظر الخلاص بالصلوات والدعوات واللعنات، المهم أن يبقى الكهنوت والجبت والطاغوت في الحكم السماوي والأرضي بأي ثمن من الأثمان.
ومن الحكايات المخبأة في رواية الكاتب، أقبل رجل على حكيمٍ عركته الحياة في باحة المسجد بُعيد الصلاة، فقال له سائلاً، مولانا الحكيم ما هي المعرفة؟ أجابه الحكيم: إنه الإطمئنان إلى الجهل!. فقال الرجل ما هو الجهل إذن يا مولانا؟ قال الحكيم: إنهاالحماقة يا بُني. فقال له الرجل: وما هي الحماقة؟ فأجابه الحكيم بحكمته قائلاً له: توكُّلك والقطيع على العصا.
وادي هنوم كتاب يصوِّر تهافت الفكر في عقل من توهم أنه فارس، فاستبدل خيله بالنساء ـ بحسب الكاتب ـ هذا هو ما يسمى رجل الدين أو الكهنوت الديني، على شكل ملائكي بملابس باهرة تسرُّ الناظرين وبعطور مخملية تغوي نساء الله، ويصوِّر القومجي المؤدلج ـ تماماً ـ كما وصف الكاتب الأسباني (ميجيل دي سرفانتس) في قصته الشهيرة (دون كيخوته) حيث يعيش البطل العجوز في الماضي، مسبوقاً في قراءة الكتب القديمة، حتى تستبد به الرغبة في أن يكون فارساً بعد أن انقضى زمن الفرسان فيرتدي الدرع، ويمتشق السيف، ثم يتخيَّل أن طواحين الهواء جيوش من الأعداء فيهجم عليها ليهزمها..

