السيد هاشم معروف الحسني.. من القضاء الشرعي إلى التجديد الفقهي

قلة هم العلماء والباحثون، الذين استحقوا لقب المجدد في دائرة الحوزات الشيعية، على مر القرون المتطاولة، منذ أن تبلورت فكرة الحوزة العلمية الشيعية، وما ذلك إلا بسبب النزاع الدائر والمستمر بين الأصالة والحداثة في هذه المدرسة العلمية، فالكل يخاف من طرح فكرة التجديد لئلا تنتهي بإيجاد الجديد، الذي يدخل في مفهوم البدعة المحرمة من الناحية الدينية الفقهية.

كان السيد هاشم معروف مجتهدا حائزا على الأهلية الفقهية والعلمية والاجتهادية لتقلد منصب القضاء الشرعي إلى جانب مجموعة هي بتعداد أصابع اليد في ذلك الزمان

فليس المراد من التجديد بالفهم الحوزوي، إيجاد الجديد، بل يقصدون من التجديد إخراج القديم بثوب جديد تألفه الثقافات المحدثة، ويروق للتنوع الفكري المستجد بسبب التمازج الثقافي، بين مختلف المجتمعات بعد الانفتاح الكبير الذي شهده العالم بسبب تطور وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي المستجدة، التي جعلت من مبدأ الانعزالية أمراً صعباً، بل غير مقدور في الأعم الأغلب..

القاضي الفقيه

وعالمنا العلامة البحاثة الفقيه السيد هاشم معروف الحسني رحمه الله (1919-1983)، هو واحد من علماء جبل عامل الذين وجدوا أنفسهم في خضم معترك الحياة العصرية، وذلك بحكم ضرورة التزامه بالعمل الوظيفي في الدوائر الحكومية، كقاضٍ شرعي في المحاكم الشرعية الجعفرية في لبنان، وهو بذلك من القلة القليلة التي مرت على تاريخ هذه المحاكم، منذ أن وجدت عام 1926 في عهد الانتداب الفرنسي، وكانت حقوق الشيعه المذهبية مهضومة وغير معترف بها في العهد التركي.

وكان السيد هاشم معروف مجتهدا، حائزا على الأهلية الفقهية والعلمية والاجتهادية، لتقلد منصب القضاء الشرعي، إلى جانب مجموعة هي بتعداد أصابع اليد في ذلك الزمان، منهم الفقيه السيد محمد إبراهيم، الذي كان يُجري الحدود في زمن الدولة العثمانية، والفقيه الشيخ يوسف الفقيه صاحب كتاب : ” الأحوال الشخصية “، والفقيه الشيخ محمد جواد مغنية صاحب موسوعة: ” فقه الإمام جعفر الصادق ” وكتاب : ” الفقه على المذاهب الخمسة ” وغيرهما من كتبه الخالدة، والفقيه الشيخ عبد الله نعمة صاحب كتاب: ” دليل القضاء الجعفري ” الذي كان وما زال مرجعاً لموظفي المحاكم الشرعية الجعفرية، فهؤلاء هم من الذين مروا على تاريخ المحاكم الشرعية الجعفرية في لبنان، وكانوا مسلمي الاجتهاد بالموازين الفقهية، بحيث تتوافر فيهم شروط القاضي الشرعي، بحسب موازين الفقه الجعفري، الذي يشترط الفقاهة في القضاة، وهو ما يفتقر إليه كثير منهم في المحاكم الجعفرية حالياً.

مؤلفات وأبحاث

والجانب الآخر الذي حلق فيه السيد هاشم معروف، هو مجال التأليف والابحاث والتصنيف، فقد ألف وصنف عشرات الكتب في الفقه والحديث والسيرة والتاريخ، ولمع من كتاباته في السيرة كتاباه: ” سيرة المصطفى “، و ” سيرة الأئمة الإثني عشر ” وهما الكتابان اللذان حاول من خلالهما السيد هاشم معروف، سد ثغرات مهمة في فهم التاريخ، من خلال إجابته عن الحلقات المفقودة في السيرة، عبر عمقه التحليلي الذي يقنعك بمستجدات التاريخ، برؤيته المتنورة البعيدة عن التعصب المقيت، الذي سيطر على أذهان الباحثين في السيرة والحديث، والتاريخ الإسلامي عموماً، والشيعي خصوصاً عبر القرون المتطاولة ..

فهو فعلاً كما قال، جاء بنظرة جديدة لفهم السيرة النبوية وسيرة أئمة الشيعة، بحيث أقبل على اقتناء وقراءة كتابيه هذين، العلماء والخطباء وكل الباحثين في هذا المجال ..

ألف وصنف عشرات الكتب في الفقه والحديث والسيرة والتاريخ، ولمع من كتاباته في السيرة كتاباه: ” سيرة المصطفى ” و ” سيرة الأئمة الإثني عشر “

ومن الآراء الجدلية التي أثارت الشبهات، حول بعض ما ورد في كتابه” سيرة المصطفى ” مؤخراً، رميه مرويات كسر ضلع الزهراء بالضعف مستنداً إلى جملة من المعطيات التاريخية والحديثية، التي يحاول من خلالها إثبات أن الأيدي السياسية، هي التي اختلقت هذه المرويات لتعمق الهوة بين المسلمين، لتشغلهم عن القضايا الكبرى المعاصرة، بالصراعات الكلامية والخلافات العقائدية، التي لا تبقي ولا تذر، وهذا الجدل استفحل بقوة بعد تبني بعض المعاصرين لأفكار السيد هاشم معروف في هذه القضية العقائدية التاريخية، وفي المحصلة هو مجتهد وله رأيه، وإن كنا قد نختلف معه في أكثر من رأي ..

مؤرخ واستاذ حوزوي

وكان للسيد هاشم معروف آراء متنورة، في تحليل واقع الثورات الشيعية عبر التاريخ ، كما وضع يده على الجرح، مبيناً الأسباب الحقيقية وراء فشل هذه الثورات، وهو ما استفادت من فهمه له، جميع الحركات الإسلامية الثورية المعاصرة، فبصمات فكره حاضرة في كل الحركات الثورية المعاصرة، وهذا نموذج من نموذج العلماء الملهمين من بلادي، تفتخر به بلاد عاملة عموماً، وقرية جناتا بنحو الخصوص ، فهو النموذج الحي لمرونة الفكر العاملي ..

وبالرغم من كل جهوده العلمية والعملية في النجف الأشرف وفي جبل عامل، لم يهمل السيد هاشم معروف مجال التدريس، ورعى حوزة المدرسة الدينية في مدينة صور في الجنوب، بعد وفاة مؤسسها آية الله الشيخ موسى عز الدين، رحمه الله، الذي كان رئيس جمعية علماء الدين في جبل عامل، وهي أول صيغة تجمع للعلماء قبل تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وبعد الجمعية التي أسسها آية الله السيد محمد حسين فضل الله، رحمه الله، مرجع بلدة كفركلا والجوار الذي كانت له رسالة عملية تسمى: ” المناهل الكوثرية “، وقد أشرف السيد هاشم معروف على تربية الطلاب وتعليم الناشئة في حوزة المدرسة الدينية، وكان ممن درس على يديه قبل الانتقال إلى النجف الأشرف آية الله المجاهد الشيخ حسن طراد شفاه الله، الذي شهد له السيد هاشم معروف بالاجتهاد والفقاهة.

وتتميز الروضة التي يقع فيها قبر السيد هاشم معروف، حيث مدفنه في جبل عامل في بلدته جناتا، بأنها تحولت إلى معرض دائم للكتاب تعرض فيه مؤلفات الراحل الكبير، الذي أغنى بها المكتبة الإسلامية الفقهية والفكرية، من خلال أبحاثه ودراساته القيمة، التي كانت وما زالت تلاقي الاستحسان، من قبل العلماء والفقهاء والباحثين في العالم الإسلامي ..

السابق
بالصور.. غارة اسرائيلية تدمر منزلا بالكامل في ميس الجبل!
التالي
الموصل والأمن السيبراني