لا أحسد على تجربتي في التدريس في الجامعات الخاصة، ولا احسد احدًا من زملائي الذين يدرسون في الجامعات الخاصة في لبنان، وما أكثرها حيث باتت تنتشر كالفطر في كل زاوية وفي كل مكان، بعد ان كان لبنان يعد مركزا أساسيا في التدريس الجامعي، بواسطة الجامعات العريقة التي نشأت الى جانب الجامعة اللبنانية، حيث بات العالم العربي وأهل المشرق يتغنون بها، قبل ان تصبح جامعة الطوائف والمذاهب، و مكان لا يليق بالعلم ومكانة لبنان العلمية والثقافية، خاصة في الفترة الأخيرة، حيث انتشرت أخبار التزوير والشهادات العليا كالنار في الهشيم.
في العام 2009 ابتدأت التدريس الفعلي في إحدى الجامعات الخاصة، كمدرس لمادة الاعلام، وخاصة اني من اصحاب الاختصاص، وهذا الاختصاص قليل جدا لان هناك من يعمل في هذا الاختصاص، من أصحاب الاختصاصات الأخرى، الذين يتعدون على الاختصاص.
قبلت التعليم مجبرا أخاك لا بطل، بانتظار الدخول على الجامعة اللبنانية، وكانت موادي هي مواد عملية تطبيقة في مجال الصحافة وفنونها الكتابية، وبالطبع الامثلة تؤخذ من الواقع، كي تكون نموذج مساعد للطالب، لفهم النظرية المعمول بها في المحاضرة.
أعطي طلابي دون كلل أو ملل وبدون تقطيع للوقت
أعطي طلابي دون كلل أو ملل وبدون تقطيع للوقت. وانا الآتي من بيئة فقيرة ومدارس فقيرة، ومن جامعات علمتني وأعطتني ثقافة عالية، وصقلت شخصيتي بغض النظر عن التوجهات الأيديولوجية التي يحملها كل فرد من الافراد،
لان التدريس حق للجميع، والإيديولوجية حق لكل من يعتنقها، ولكنهما لا يلتقيان ولا يتعارضان.
القصة بدأت معي في العام 2011، في الفصل الثاني مع بداية الثورة السورية، حيث باتت صفحتي الفيسبوكية مراقبة من الطلاب الذين لا اسمح لأحد منهم بالدخول عليها، وخاصة بان الطلاب ليسوا اصدقائك والصفحة كالبيت، لا يفتح ابوابه امام العابرين، لكن بطرق معينة كانت الصفحة مراقبة وقد علمت بأنهم قدموا عريضة ضدي قبل نهاية العام، ولم يكن لدى الإدارة أي حجج ضدي سواء أخلاقية او مهنية، بل كانت الحجة الوحيدة بان الدروس التطبيقية يجب ان تعطى باللغة الانكليزية، وأنا لا استطيع وتم إنهاء عقدي.
ولكن لاحقا، علمت من احد طلابي وهو جنوبي، وكان في اليسار الديمقراطي، بان الطلاب وقعوا عريضة ضدي للجامعة لأنهم لا يقبلون أن يكون أُستاذ مع الثورة السورية والجامعة محسوبة على النظام السوري فكيف يسمح بذلك . ورفض الطلاب التوقيع إلى جانب طالبة وهي من الأوائل أيضا من الجنوب، بان الانتماء لا يعكس نفسه على الدراسة، ولا يوجد أي ملاحظة أخلاقية او مهنية ضد الأستاذ، تجبرنا على رفع المذكرة للادارة وهذا انتقام شخصي، ومع ذلك تصرف الصف بحقد وكراهية، يمكن ليس ضدي شخصيا، وانما ضد الشعب السوري ومحبة بالنظام السوري، نتيجة انتماءاتهم المذهبية والإيديولوجية .
اما القصة الثانية، كانت مع جامعة أخرى أعطيت فيها فصلا دراسيا لمادة الاختصاص، وفور انتهاء الفصل تعرفت على مدير الشعبة، وعندما سألني عن احد اقربائي، الذي لم اتنكر له بانه ابن عمي وهذه خياراته واحترمها، بالرغم من التناقض الكامل مع خياراته، عرفت لاحقا بشطب اسمي من التدريس، وعدم توقيع العقد معي للسنة المقبلة بدافع مذهبي تطرفي.
لم تنتهِ قصتي حيث عملت في إحدى الجامعات الخاصة، التي كانت تحاول ان تفرض عليّ تدريس طلابها بطريقتها، التي تم اختيارها وقبولهم فيها، لان الرخصة في الجامعة كانت للفنون البصرية وليس للإعلام ولا للإخراج، وإنما الطلاب ليسوا من هذا الاختصاص او ذاك، بالتالي يجب ان تعطي مواد بالاختصاص اي الاعلام، ولكن النتائج يجب ان تأتي لصالح الطالب لانه هو من يدفع الاقساط. لكن الاستمرار كان صعبا جدا بهذه الظروف غير العلمية حيث بدأ الصراع المناطقي على الأماكن، ولأني لست من أبناء العاصمة، تم استبدالي بشخص اخر من العاصمة، وليس صاحب اختصاص إعلامي وإنما من حاملي شهادة الماجستير. وحَمَلة شهادة الماجستير مطلوبون في الجامعات الخاصة، بسبب قبولهم تنفيذ كل ما يطلب منهم و يقبلوا باجرٍ اقل.
لم تنتهِ رحلتي هنا، بل ذهبت الى جامعة اخرى في فرعيها الجنوبي والشمالي في اختصاص الاعلام، لكن المشكلة بدأت بسبب الرشاوى التي كانت تنخر الجسم التعليمي والاداري، من طلاب دولة عربية يأتون الى لبنان لحمل شهادات عالية فقط، وهم مستعدون لشراء الضمائر و الذمم. وعندما يتم الرفض، يتهمك بأنك عنصري ولا تحب طلاب هذه الدولة، ويقدمون عرائض ضدك للادارة التي تفضل ابعادك عن التدريس لانك تقفل باب رزق للجامعة، من خلال تعاطيك مع هؤلاء القطعان، بطريقة تضر بمستوى دخل المالي للجامعة.
القصة تبدأ بتقديم هدايا خاصة لك وعندما ترفض قبول الهدايا يقولون بان هذه عاداتهم وتقاليدهم ويجب احترامها
القصة تبدأ بتقديم هدايا خاصة لك، وعندما ترفض قبول الهدايا، يقولون بان هذه عاداتهم وتقاليدهم ويجب احترامها. وعندما يأتون من بلدهم العادة تفرض ان يذكروك بهذه الهدية من خيرات بلادهم، لتمتد القصة للعزيمة المبدئية على الكافتيريا، وطلب القهوة والسندويش واشياء اخرى. لتعاد العزومة الى المطاعم ولتنتهي بدفع أثمان الامتحانات وكتابة رسائل الماجستير الى آخره.
والطريق يطول، لكن المشكلة بحال الرفض، فتصبح العدو الأول لهم والجميع يقف ضدك. وهنا تبدأ الادارة بمحاولة اخراجك بحجج واهية. وعندما خرجت من الجامعة كتبت رسالة للإدارة، مبينًا فيها التفاصيل، وأشرت بأني اليساري الذي حمل هموم شعبه وناسه طوال عمره، ونضاله لن يقبل ان يأخذ رشوة من طالب او أستاذ، لقاء تسيير أوضاع أُناس جهلة يضرون بسمعة التعليم اللبناني، و يستنزفون الشهادات اللبنانية التي نعتز بها، ونرفع رؤسنا بها في كل المحافل العلمية.
وهنا بالمناسبة، أرى كيف كانت تعاقبني المؤسسة بعدم إشراكي بأي عمل بحثي أو علمي اشرافي على طلابها، وخاصة بان الفترة السابقة كانت أوضاع الدكاترة في الجامعة اللبنانية صعبة جدا، وفي حالة يرثى لها، فكل زملائي كانوا متواجدين في هذا القطار الذي يسير دون اشتراك باي عمل، والجميع كان يسألني لماذا لا تستدعى للمناقشات او الإشراف في الجامعة (؟؟؟) فكان جوابي انا غير محتاج ، وكل شبابيكي مقفلة لا يمكن دخول أوكسجين للداخل.
اذا لم تنته القصة بالخروج من الجامعة بسبب الرشوة، وإنما بعد مشاكل داخلية مناطقية بين الكوادر في الجامعة، لاكون ضحية من هذه الضحايا التي تدفع أثمانا ليس لها علاقة فيها.
لكن هذه التجارب فرضت عليّ الخروج من التعليم الجامعي الخاص، ولتبدأ لاحقا فضيحة الشهادات المزورة في العديد من الجامعات والمعادلات والسماسرة، التي لم تنتهِ نهائيا حتى اليوم ولاتزال اصداءها صادحة بالاعلام وعلى السنة الناس.
لم تنته القصة بالخروج من الجامعة بسبب الرشوة وإنما بعد مشاكل داخلية مناطقية بين الكوادر في الجامعة
لكن القصة التي حددتها لاحقا، بعدم الذهاب بمغامرة جديدة مع هذه الجامعات الخاصة غير الشرعية، لتنتهي في تكريس حقيقة واضحة، بان التعامل مع هذه المؤسسات لا تقدم شيء للدكتور، سوى وجع الراس والارهاق، بل يجب الذهاب الى مؤسسات عريقة قد يزيد من القدرات التعليمية والخبرات العالية، لذلك قررت ان اعطي كل امكانياتي للجامعة اللبنانية مهما كان الثمن.

