حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: لا «وحدة ساحات» حين تكون طهران من ضمنها

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

اين السيد حسن نصرالله؟! سؤال لا بد من طرحه، بعد ان عودنا السيد على الظهور على شاشات التلفزة بشكل شبه اسبوعي، تارة بمناسبة فعلية راهنة، وطورا بمناسبات تكون ذكرى ولادة ولي او امام، والسؤال هذا يتبدى بديهيا، توازيا مع مذبحة غزة المرعبة، ومع عملية عسكرية قامت بها حماس، تشكل محطة مفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني، وإنجازا غير مسبوق للمقاومة الفلسطينية في المواجهة مع الكيان الصهيوني! اين السيد حسن نصرالله؟!
بعض من إعلاميي “حزب الله” وابواقه، افادونا انه يدير المعارك التي اندلعت بعد عملية ” طوفان الاقصى”، وذلك للايحاء بانه ليس لديه وقت للاعلام، لكن واقع الامر يفيد بغير ذلك، فمعركة غزة تديرها القيادات العسكرية فيها، والتي اظهرت حتى الآن، كفاءة ودراية وشجاعة، فالسيد لديه وقت لاستقبال وزير خارجية ايران عبد اللهيان، كما لاستقبال قائد منظمة الجهاد الاسلامي ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وهذه امور بديهية، في ظروف المواجهة، لكن السيد لا يكتفي بذلك، بل يجد الوقت ليتواصل مع جبران باسيل ووئام وهاب! وغيرهم، دون ان يجد وقتا للخروج الى انصاره وجمهوره، لكي يرسم لهم ظروف المواجهة واحتمالات المعركة، ولكي يشد عصبهم ويرفع معنوياتهم، كما عودهم دائما على مدى السنين الماضية! لماذا يغيب نصرالله عن الاعلام اذن؟!

هل لان ظهوره اليوم، سيذكر الناس والجمهور بما اطلقه من مواقف وشعارات، اولها اقتحام مستوطنات الجليل، وبمناورة “سنعبر” التي قامت بها قواته منذ اسابيع عدة، أم بما اعلنه عن امتلاكه اكثر من مائة الف صاروخ، ومائة الف مقاتل، ام عن تصريحاته بعد اغتيال قاسم سليماني، بان المرحلة ستكون ” كنس الوجود الاميركي من منطقة الشرق الاوسط”، وان الجنود الاميركيين الذين يأتون الى المنطقة عاموديا (احياء) سيرحلون افقيا ( صناديق أموات)، فيما اساطيل اميركا وبريطانيا تملأ كل بحار المنطقة، ام بشعار “وحدة الساحات” الذي اطال شرحه، بانه لا يمكن استفراد اي طرف من اطراف محور الممانعة، فيما تستفرد غزة بابشع جرائم الحرب البشعة، وفيما وصل عدد ضحايا الاستباحة الاسرائيلية الى أكثر من ٨ الاف شهيد، ثلثاهما من الاطفال والنساء!

صمت السيد وغيابه عن الاعلام، ليست مسألة ضيق وقت، او كثرة مشاغل، بل مأزق سياسي

من الواضح ان صمت السيد وغيابه عن الاعلام، ليست مسألة ضيق وقت، او كثرة مشاغل، بل مأزق سياسي ولغة تخاطب، اعتمدها السيد على مدى السنوات الماضية، حيث تم الخلط بين خطاب التعبئة والحماسة ورفع المعنويات، واللجوء الى مبالغات غير واقعية، وتصوير اي انجاز ولو صغير في مواجهة مع اسرائيل، الى انتصار إلهي كبير، وهي لغة كانت تستمد وقودها من عنتريات ايرانية، دأب على اطلاقها جنرالات الحرس الثوري الايراني، كتدمير اسرائيل ب ٧.٥ دقائق، او “تسوية تل ابيب بالارض”.

تم الخلط بين هذه اللغة الحماسية الانتصارية، وبين التقييم العقلاني لموازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية

نعم تم الخلط بين هذه اللغة الحماسية الانتصارية، وبين التقييم العقلاني لموازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية، واستكشاف مواقف اطراف معسكر الاعداء و خياراتهم، كما تحديد امكانيات معسكر الاصدقاء و فعالية قدراتهم.

ولعل اهم ما في المواجهة في غزة اليوم، انها كشفت واقع المواجهة مع اسرائيل، واظهرت قدرات وسلوكيات وخيارات، كل الاطراف الفاعلة في هذا الصراع، سواء في معسكر اسرائيل وتحالفاتها الإقليمية والدولية، حيث تبين ان دول الغرب قاطبة ستكون الى جانبها، تحميها ، تغطي جرائمها، تمدها بالسلاح والذخائر والحماية السياسية والدولية، وصولا الى أن تقاتل عنها، فيما لو ظهرت في وقت ما أنها “اوهن من بيت العنكبوت”.

كما كشفت واقع تحالف الممانعة بقيادة طهران وحلفائه في روسيا والصين، والذي ثبت ان إمكانية تدخلهم المباشر لنصرة غزة، سقفه التضامن المادي و السياسي والانساني، ولن يتعدى عمليات عسكرية متفرقة، تخفف الضغط العسكري على قطاع غزة دون ان تنصره او تحميه.

كما كشفت المواجهة، واقع معسكر الاعتدال الذي يتشكل من مصر والسعودية والاردن وقطر وتركيا. وهو موقف سقفه مطالبة دول العدوان والتدمير الوحشي، بإحترام القانون الدولي الانساني، ووقف جرائم الحرب الاسرائيلية، عبر استهداف المدنيين، والتهجير القسري، والابادة الجماعية، والمطالبة بحلول سياسية لتنفيذ قرارات الامم المتحدة، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

اظهرت الاحداث المؤلمة اليومية في غزة، موقع “حزب الله” وحدود دوره

كما اظهرت الاحداث المؤلمة اليومية في غزة، موقع “حزب الله” وحدود دوره، وارتباط خياراته بشكل وثيق، بمصالح ايران وسلامتها وتعليماتها، وليس بما تدعيه من مبادئ في نصرة المستضعفين ومواجهة المستكبرين، والدفاع عن شعب فلسطين.

يروج البعض ان زر اطلاق الحرب هو في يد السيد نصرالله، والحقيقة المؤكدة أن هذا الزر موجود في طهران وليس في حارة حريك، ويطلق ممانعون آخرون، صراخا للتضامن مع غزة واطفالها ونسائها، لكن تضامنهم هذا من حيث المستوى والاجراءات والتورط، مشروط بضمانة الحفاظ على سلامة الجمهورية الاسلامية الايرانية وتأمين مصالحها، ولذلك رفعت العقوبات الدولية عن طهران، بموجب قرار في مجلس الامن الدولي في اليوم نفسه، الذي فشل مجلس الامن بالتوصل الى وقف اطلاق نار في غزة، وإستمر قطع امدادات الماء والغذاء والدواء والوقود والكهرباء عن غزة.

ولعل نصرالله غاب عن سماع اطفال غزة، واشاح بنظره عن جراحاتهم، بعد ان ادركت طهران أن وحدة ساحات المواجهة هذه المرة، ستشمل ايران ذاتها، وساحات طهران ومشهد وقم، ولن يمرر الاميركي المعركة اليوم بقتال الاذرع في الاقليم، فيما يبقى الرأس في طهران وقم سليما حصينا.

لا نسائل “حزب الله” على موقفه في تفادي الانزلاق الى الحرب، بل نسائل منطقه وخطابه، الذي امعن فيه بتحميل لبنان ما لا طاقة له على إحتماله منذ ايار سنة ٢٠٠٠.

ما اود قوله اخيرا، ان خيار تفادي لبنان للانزلاق نحو الحرب، هو خيار جيد وصائب وحكيم، ما هو غير صائب وغير حكيم، هو ان يكون تجنب الحرب من قبل “حزب الله”، هو خيار اتخذ رأفة بطهران وخوفا عليها، لا حرصا على بيروت ولبنان وصونا لشعبه.

السابق
موقع «ابو دجاج» بمرمى «حزب الله»
التالي
القوات البرية الاسرائيلي توسع نشاطتها الليلة في غزة!