كباحثٍ متعمّقٍ في شؤون الدّين والتّعاليم الدّينيّة ، إستنبط الباحث والكاتب اللبناني الدكتور حبيب فيّاض ، نظريّةً دينيّةً – فلسفيّةً ، جديدة وحديثة ، أطلق عليها تسمية ” فلسفة التّديُّن ” وبَلوَر هذه التّسمية بتسمية ( ألطُّرُق إلى الله في عالَمٍ متحوِّل ) ، وهي النّظرية التي احتواها كِتابُه الجديد ، ألصادر، حديثاً ، وبعنوانيه هذين : ألأساسي والفرعي ، وفي طبعةٍ أولى 2023 ، عن ” دار الفارابي ” في بيروت ، و” مركز دراسات فلسفة الدين ” في بغداد .
نظرية تطبيقيّة
ولأنّ هذه النّظريّة – وعلى ما يُظهِرُ مضمونها – تتميّز بأنّها ذاتُ أهدافٍ تطبيقيّة / عملانيّة مُتَوخَّاة ، بالضّرورة ، من نتائج طرحِها ، في نهاية مَطافها المَعرِفيّ ، لذا ، فلقد جاء تَناوُلُها ، في هذا الكتاب ، تناوُلاً نظريّاً مشفوعاً ، وبالحَتم ، بمَحمولاتِ محدَّدات مفاهيم وعناصر تطبيقاته بأَبعاد مُمارَساتِها الإجرائيّة كافّة . وذلك من خلال ما نُسمِّيه : ” منهجيّة الإلتحام المُطلَق للنظريّة والتطبيق ” على مستوى التّناول البحثيّ الذي استطاع الباحثُ من خلاله التّوصّل إلى تعيين وتحديد مَدارات أُطُرِ مُبتَغَياته البحثيّة المنشودة بوضوح ، عبر أداءٍ عِلميّ رصينٍ ومكين .
يُعَدّ هذا الكتاب على طريق تأسيس ما يمكن تسميته بفلسفة التَّديُّن حيث يتضمن : المباحث الأوليّة المطلوبة لبلورة مفهوم هذه الفلسفة وكل ما يميّزها عن غيرها معرفيّاً
محتويات الكتاب
ولقد قَدَّم لهذا الكتاب ، مدير” مركزدراسات فلسفة الدين ” في بغداد الدكتور عبد الجبار الرفاعي .
وتتوزّع مادّة هذا الكتاب الذي يتمحور حول ” فلسفة التَّديُّن” أو كيفيّة تطبيق التَّعالِيم الإلهيّة ، على خمسة فصول ، تسبقها مقدِّمة بقلم المؤلّف . والفصل الأوّل يتمحور حول : ” الدين والفلسفة ” ؛ والثاني يتناول : ” الدين والمعرفة الدينية ” ؛ والثالث ، ينطوي على العلاقة ما بين : ” الدين والتّديّن ” ؛ والرابع ، قوامه : ” فلسفة التّديّن : مباحث تمهيديةٌ ” ؛ والفصل الخامس والأخير يبحث في : ” فلسفة التّديّن : ” الماهية والموجبات والوظيفة ” ؛ وتلي فصول الكتاب : ” خلاصاته ” .
تهدف فلسفة التَّديُّن إلى الجمع بين البحث النظري في التّديّن والبحث التطبيقي في الدِّين
خطوة تأسيسيّة
ومن مقدّمة الكتاب، نورد المقتطفات التالية :
” يُعَدّ هذا الكتاب خطوةً أولى على طريق تأسيس ما يمكن تسميته بفلسفة التّديّن ، حيث يتضمّن المباحث الأوّليّة المطلوبة لبلورة مفهوم هذه الفلسفة بالإضافة إلى صياغة هندستها المعرفية المشتملة على موضوعها ومنهجها ومسائلها ومبادئها وغاياتها ، هذا فضلاً عن ترسيم الحدود المائزة لها عن غيرها من المجالات المعرفية التي تتقاطع معها من قبيل فلسفة الدِّين ، وعلم الكلام الجديد .
نظريّة ماهويّة
” وفي العموم ، تهدف فلسفة التّديّن إلى الجمع بين البحث النظري في التّديّن والبحث التطبيقي في الدين ؛بمعنى دراسة الدين متجسداً في الواقع ودراسة التّديّن متجلياً في النصوص ؛ إذ من المفترض أن يحقّق ذلك إتّحاداً ماهويّاً بين الدين بوصفه تعاليم نظريّة والتّديّن بوصفه ممارسة ، فيصبحان ، والحال هذه ، كأنّهما أمرٌ واحدٌ منظورٌ إليه بلحاظَين : الأول كون الدين تديُّناً بلحاظ حيثيّة الواقع ، والثاني كون التّديّن دِيناً بلحاظ حيثيّة النَّصّ والتعاليم .
” لقد أُشبِع النّصّ الديني بما هو خطابٌ نظري شرحاً وتفسيراً وتأويلاً وتشريحاً وتحليلاً وتفصيلاً وتفكيكاً وتركيباً ، هذا في حين أنّ الفعل التّديّني ظَلّ بمنأى عن هذا كلّه ، وذلك على الرغم من أنّ إشكاليّة الدين الأساسية لا تقف عند حدود فهمه في إطار مندرجات الفكر الديني ، بل تكمن أيضاً في كيفيّة تحويل تعاليمه الوَحيانيّة ( أي ألإلهيّة ) إلى تجربة وممارسة في إطار الواقع .
محوريّة إنعكاسيّة
و” يتمحور الجهد الأساسي في فلسفة التّديّن على تشميل الفعل التّديّني وجعله انعكاساً لشتّى أنواع التعاليم الدينية ، وتحديداً على مستوى فاعليّة المسألة الفقهيّة والقيميّة ، إلى جانب تحويل المسألة الإعتقاديّة من مسألة ذهنيّة ونفسيّة إلى مسألة التزاميّة تطبيقيّة في شقَّيها التّعبُّدي والقيمي .
إنّ فلسفة التّديّن نَمَطٌ من الإرشاد الفلسفي الذي يبحث في كيفيّة تحويل موضوعاته النظرية المجردة إلى قضايا قابلة للتطبيق على النحو الأتمّ والأفضل
إستكمال ضروري
ويشير الكاتب في المقدمة أيضاً الى أنّ كتابه هذا هو استكمالٌ لكتابه الذي يحمل عنوان : ” مقاربات في فَهم الدين ” ، ” حيث وجدنا – والقول هنا للكاتب – ضرورةً للانتقال في البحث من فهم الدين إلى تطبيقاته ، وذلك عبر العمل على تأصيل منظومة الكلام ، الفقه ، والقيم ، وتجديدها ، وتفعيلها بوصفها انعكاساً تضمينيّاً لتعاليم النصّ الديني ، حيث يُشكِّل هذا الكتاب ( أي كتاب فلسفة التّديّن ) مدخلاً لإخراج هذه المنظومة ( منظومة علم الكلام ) من محدوديّتها المعهودة وإعادة إنتاجها بما يتلاءم مع شموليّة النّصّ واحتياجات الواقع . فلا يعود ، وفق ما نراه ، علم الكلام محصوراً بالعقيدة التقليديّة ، بل يُصار إلى إعادة إنتاجه على ثلاثية : كلام العقائد ( أصول الدين والإلهيّات والوجوديّات ) ، وكلام المعرفة ( العلوم الإنسانية والوضعيّة ) ، وكلام الأديان ( الأديان السماويّة والفلسفات الروحيّة ) . كذلك ، علم الفقه لا يبقى مقتصراً على الشأن الفردي التقليدي ، بل يصار إلى إعادة إنتاجه على ثلاثية : فقه الأفراد ( العبادات والمعاملات ) ، فقه الأمّة ( الدولة ، الوطن ، الجماعات ، الأحزاب ، المجتمعات ) وفقه الحقوق ( التشريعات القضائيّة ، حقوق البشر ، والحدود ) . وصولاً إلى مسألة القيم الدينيّة حيث لا تقف حدودها عند الشأن الأخلاقي بل يصار إلى إعادة إنتاجها أيضاً من خلال ثلاثية : علم الأخلاق ( الفعل ) ، علم الجمال ( الفن ) ، علم المنطق ( التفكير ) .
وتنتهي مقدِّمة هذا الكتاب بخلاصةٍ لها ( بخلاصةٍ لكامل مضمونها ) ، وهذه الخلاصة ” هي أنّ فلسفة التّديّن نمطٌ من الإرشاد الفلسفي الذي يبحث في كيفيّة تحويل موضوعاته النظريّة المجرَّدة إلى قضايا قابلة للتطبيق على النحو الأتمّ والأفضل …” ويُنهي الباحثُ هذه الخلاصة بالقول : ” إنّ فلسفة التّديّن تهدف إلى الانتقال من فَهم الدين وإثبات حقّانيّته والدفاع عنه ، إلى كيفيّة ألإلتزام به والإستفادة منه واتّخاذه طريقاً للخلاص . وهو ما حاولنا العمل عليه في صفحات هذا الكتاب”.

