حبيب صادق «بقلم» محمد علي شمس الدين

محمد علي شمس الدين

نشأ حبيب صادق في حضن مشيخي وشعري، هو في كل من الخيام والنبطية في الجنوب اللبناني، الجناح الاَخر للسلطة القائمة… أي أن الجنوب كان محصوراً بين سلطة رجال الدين وسلطة رجال الإقطاع. وكان الجميع يتقاسمون أو يتنازعون النفوذ الإجتماعي والريعي على الأرض والفلاحين. كل من موقعه وأدبه السياسي.

حبيب صادق ورث طبعاً دينياً أولياً عن والده وأخويه الشيخين، ولكنه لم ينعم بالغرم المشيخي

في هذا الحضن الديني المعنوي نشأ الفتى وكتب قصائده الدينية الأولى، وحمل الحيف صامتاً بين أسرة بهذا الحجم إذ لا بد أن يتعرض بعضها للحيف، وأن تنعم السلسلة الذهبية من المشايخ فيها بالإمتياز الموروث. حبيب صادق ورث طبعاً دينياً أولياً عن والده وأخويه الشيخين، ولكنه لم ينعم بالغرم المشيخي… بل حمل الغرم في جسده ونفسه، ونما معه هذا الغرم حتى تحول إلى إحساس طبقي حاد لم يستطع فكاكاً منه حتى الاَن. بل لعل ملاحظته للفروق الطبقية العائلية والاجتماعية من حوله، دفعته اندفاعاً بديهياً في طريق الاشتراكية، لاعتقاده، (على ما يكرر في أماكن عدة من الحوار أنها طريق الخلاص).

ولعل نشأته الأولى قتلت الكثير من رغباته الطبيعية… كالرغبة في الزواج و الإنجاب مثلاً. وإذ كان لنا أن نشبه الوعي بالطبقات المتراكمة في حقل واحد، فالطبقات السفلى لوعي الرجل هي طبقات دينية مشيخية، إلا أن الطبقات العليا طبقات يسارية ماركسية. وحبيب صادق أقرب ما يكون في هذا المقام إلى عدد من المفكرين العامليين (نسبة الى جبل عامل – الجنوب اللبناني حالياً) ممن غادروا الجنوب في أربعينات وخمسينات القرن الماضي إلى العراق طلباً للعلم الديني في المدارس الدينية في النجف الأشرف، لكنهم سرعان ما تحولوا في ظل الحوزة الدينية هناك، من شيعة إلى شيوعيين، فخلعوا الجبة والعمامة ولبسوا زيّ المفكر الماركسي. ومن بينهم حسين مروة ومحمد شرارة، وهما الأبرز في هذا المجال.

حبيب صادق، على رغم إحساسه الفادح بالظلم الذي ناله من خلال وضعه العائلي، ظلّ أكثر الناس براً بأبيه وعائلته

وحين عادوا من العراق إلى لبنان، إما طوعاَ أو كرهاً، عادوا ليبشروا بالفكر الماركسي الشيوعي بدلاً من الفكر الديني. ولكن بقيت تتسرب من الطبقات السفلى في وعيهم خيوط ولو واهية إلى الطبقات العليا الدينية. فحبيب صادق، على رغم إحساسه الفادح بالظلم الذي ناله من خلال وضعه العائلي، ظلّ أكثر الناس براً بأبيه وعائلته.

فقد أحيا أشعار والده التي كان يكتمها في الأوراق خوفاً منها(أي القصائد) على هيبة المشيخة… نشرها حبيب بعد موت والده في كتابين قشيبين من الشعر على التوالي ونشر ديواناً لأخيه الشيخ حسن… وتتبع الخفي من أخبار عائلته لينشر ما يعتبره الجانب المليء من كأسها فيطغى على الجانب الخاوي. ولعل سمة في الرجل تدقعه إلى مثل هذا السلوك… فهو على العموم، وإن كان كثير الخصومات السياسية، إلا أنه يبقى في داخله ميالاً للصمت أكثر من ميله للضوضاء. فهو رومنطيقي يساري كادح على وجه التقريب، شاهد حيّ على ما عانى منه اليسار اللبناني بوجه خاص واليسار العربي بوجه عام (وفي طليعته الأحزاب الشيوعية والاحزاب الإشتراكية) من عبء التناقض بين النظرية (الطوباوية) للماركسية والتطبيق الملتبس على أرض الواقع والممارسة.

ومن تناقض بين الحرية التي يفترضها كل مجتمع عربي، والتبعية للمركزية الحزبية في موسكو، يعترف حبيب صادق بما يمكن أن يسمّى الوعي السياسي المجروح، وما يلحق بالرواية السياسية (الطهرانية) من تشويه في التطبيق. يقول: «أحسست بانكسار داخلي» بعد عرضه لرشوة طلب منه أن يدفعها في براغ (تشيكسلوفاكيا الشيوعية) وهي علبتان من السجائر لا غير للموظفة المسؤولة عن استشفائه. يقول: «تساءلت بعمق: رشوة بعلبتين من السجائر لا أكثر في بلد إشتراكي» (ص 786)، كان ذلك في العام 1968. وحين يكشف عن ممارسات اتحاد الكتّاب السوفيات في اجتماع اتحاد كتّاب اَسيا وافريقيا في العام 1973 وأنهم كانوا يسعون جاهدين لتثبيت أمانة الاتحاد ليوسف السباعي (المنحرف وطنياً وماركسياً في عرفهم يومذاك)، يسأله محاوره: لماذا لم تتم ممارسة نقدية علنية لممارسة السلطة السوفياتية اَنذاك؟ لماذا لم تكتب في الصحف نقداَ لما جرى في مؤتمر اتحاد الكتّاب الاَسيوي الإفريقي؟ يجيب صادق: هذا التشهير لم يحدث، والرأي العام لم يطلع على تفاصيل ما جرى. ويضيف صادقاً: وهذا موقف نؤاخذ عليه.

من مقالة قديمة للشاعر محمد علي شمس الدين

السابق
بمشاركة واسعة.. لبنان يودع حبيب صادق في «حبيبته» النبطية!
التالي
خرق اسرائيلي في حولا