البوسطة الحمرا والبوسطة الزرقا

تحت عنوان “البوسطة الحمرا والبوسطة الزرقا”، كتب حسين حرب منشور عبر حسابه على “فايسبوك” قائلاً: “ما إن تسمع “إم علي” هديرها، حتى تترك الأواني التي بين يديها في صحن الدار , تلملم عباءتها ، تسوي منديلها وتسرع من تحت التوتة باتجاه “حيط الحاكورة” المحاذي للطريق العام ،تتكئ عليه بكلتا يديها ،تقف مترصدة مرورها، وهي تهوي على طريق “الكروسة” المحاذي لدارهم باتجاه “درب الدورة” .ما إن يتعالى الهدير حتى تتقدم برأسها لتكشف كل المسار. نظرة سريعة،هي التي تتيحها لها دورة “موتيرها” المتثاقلة في الصباحات الباكرة، تكفي لكي تزف النبأ على من في الدار وعلى الملأ:”مليانة الحمدالله مليانة بوسطة الحمرا .روحي الله معك.تروحي وترجعي بالسلامة””.

اضاف: “لم تكن أم علي وحيدة اواستثناء في هذا الموقف بل كانت تعبر فيه عن موقف جمهور من المشجعين لبوسطة البلدة “الحمرا” بوجه بوسطة قرية الغسانية “الزرقا”.كانت البوسطة، بغياب الفرق الرياضية آنذاك،مجالا للتّمَيّز وللتنافس مع القرى المجاورة، كانت أشبه بفريق البلدة وشارتها.يتعصب لها الأهالي بوجه بوسطة الجيران الزرقا كما يتعصب أهالي ليفربول لفريق الحُمُر (الريدز) بوجه فريق العاصمة تشيلسي الزرق(البلووز). ومع ان شاعر القرية “أبو محمد” يعترف بجميل بوسطة الجيران الزرقا، لأسبقيتها على البوسطة الحمرا وتحمّلها عناء نقل أهالي بلدته رَدْحا من الزمن، ويلعب معها بروح رياضية إلا أنه يقوم بهجمات خطيرة على مرماها لا يمكن للجيران صدها:

“البوسطة الزرقاء ما منسبها
يا ما انعفسنا وانكبسنا بعبها
لكنما من ضيق خلايق بوعلي
راح الجميع وما حدا بِحبّها
كان يبطحنا فيها بطح
لَ حتى ما تعود تساع
والباقي يحطّنْ عالسطح
وياخذ أجرة تلا تّرباع
كان يكبسنا فيها كبس
لحتى يتِقّ الدولاب
ويوسف مِتِلْ عنترعبس
عم يِتْأمبَر عَ الركاب”.

وبالمقابل ينتصر لبوسطة بلدته البابلية الحديثة العهد ويكيل لها المديح على منوال دعاء زوجته “إم علي”:

“والبوسطة الحمرا الله يجيرها
الله يحمي جسمها وموتيرها
والله يمنع صدمها وتكسيرها
بوجودها انْسَرّتْ جميع المنطقة
ع شرط يمشي عالهدى شوفيرها”.

وتابع: “في “زمن البوسطة”، كانت الأرجل والدواب صلة القرية بالجوار والبوسطة صلة القرية بالمدن وبالمغتربات . تحمل الناس والبضائع وأخبار الضيعة صباح كل يوم إلى صيدا وبيروت وتعود بهم عصرا،تحمل الزواويد والخبز المرقوق واللبن والبيض والحليب والتين والزيتون والزيت والسميد والبرغل وتأتي بالكعك العصروني وبالخبز العربي”الكماج” والبن وقحاطة الحلويات المعبأة بالتنك الأصفر، وتأتي حتى بأبواب وشبابيك البيوت القطراني، التي لايخرقها الرصاص من شدة متانتها، المنزوعة من البيوت البيروتية العتيقة والعريقة الآيلة إلى الهدم .هي صلة الوصل ووسيلة التواصل ،هي البريد والهاتف والرسائل .تحمل لوعة الأمهات في مكاتيب مبللة بالدمع وتأتي برسائل الشوق، الواردة من الأبناء العاملين في الكويت، في صحارى الخليج العربي، وفي ليبيريا والسنغال والكونغو وشاطئ العاج ومجاهل أفريقيا، مبللة بعرق التعب والحنين. هي الصحيفة البومية وجريدة المساء ، تُفْلَشُ عصر كل يوم على مصاطب الساحة، وفي السهريات، على “ضي” قناديل الكاز وحول كؤوس الشاي، ُتقرأ فيها الأخبار الحلوة والأخبار المرة، أخبار الآباء والأبناء والأخوة في سكنهم في الأحواش وفي أشغالهم في نقل البضائع على “البور” وفي الأفران حول بيوت النار وأمام بسطات الخبز والكعك ،أخبار الطلاب في المدارس والعمال في المصانع” .

وقال: “على غرار تقليد ٍأوروبي ، حيث يحتل ال” hotel de ville” بمهابته وأناقته مكانا بارزا ومميزا في ساحات المدن الرئيسية،يتصدر دار “الحاج قاسم حسون” كامل الواجهة الشمالية لساحة الضيعة . واجهة الطابق العلوي مطرزة بأقواس تحملها دزينة من الأقلام (شمعات)الحجرية المصقولة.الطابق الأرضي صف من الدكاكين يعلو كل منها درجتين عن مستوى الساحة ورصيف من المصاطب.يتوسط هذا الطابق قبو يحمله عقد حجري كان فيما مضى مربطا للخيل ومأوى للدواب.من هذا المربط يخرج “حسين حسون” , بالبوسطة مع شروق كل شمس.يبدأ “أبو قاسم” نهاره حاملا بيده اليمنى مفتاح البوسطة وباليد اليسرى “كدوشته” الخاصة : رغيفاً من الخبز المرقوق محشوا برزمة من البصل الأخضر الطازج. وقد اعتاد سكان الأحياء المجاورة للساحة “الفَيْقَة” على صوت ضربات “المارش” المتكررة قبل النجاح في “تدوير الموتور” . يتجه حسين من فوره بالبوسطة إلى ساحة الغسانية حيث ينتظره الركاب ورزم من المكانس المصنعة في البلدة والمعدة للأسواق ،ويعود بها إلى محطتها الأولى في البلدة.

للبوسطة محطات ثابتة ومواقيت دقيقة في ذهابها وإيابها لاتغيب عن بال الركاب ولا عن معلوم الاهالي . المحطة الأولى ،صباحا، على مدخل الساحة في فُرْجة بجانب بيت الحاجة ” زهية” ومحل رضا حمادي للحدادة .المحطة الثانية على البوابة الفوقا بجانب مستشفى الدكتور راشد الخوري في صيدا، ثم تنعطف يسارا لتصبح بمحاذاة سورالقلعة البرية ومنه إلى بوابة الشاكرية وقلب الأسواق التجارية حيث تفرغ حمولتها من الركاب الذين يقصدون عاصمة الجنوب محملين بما خف وثَقُل من الزواويد و البضائع المعدة للإستعمال الشخصي أو المورّدة إلى الأسواق . المحطة الثالثة والأخيرة في رحلة الذهاب كاراج النبطية الكائن في محلة “عالسور” قرب ساحة رياض الصلح في العاصمة بيروت.
قبل منتصف النهار بساعة تتحرك البوسطة على طريق العوده سالكة خط الأفران،الأفران التي أصحابها والعاملين فيها من البلدة،حيث ينتظرها الركاب. فرن معروف ع “الباشورة”, فرن محمد حسين في شارع عمر بن الخطاب، وتأخذ بعدها طريق صيدا القديمة الحدث كفرشيما الشويفات خلدة نحو صيدا”.

وختم: “البوابة التحتا،قرب القلعة البجرية،محطة صيدا في طريق العودة. الحسبة، المحلات، المخازن، والأسواق التجارية.محلات السمانة والمال قبان ومخازن الحديد والترابة ومواد البناء،وأسواق اللحوم والكندرجية و الأقمشة والنجارين…ركاب الصباح بالانتظار أمام محل السيد على أو ملحمة فضل بجانب حاجياتهم ومشترياتهم المركونة على الأرصفة.

حاملة شمايل من أصايل الذرة الحمراء، تنتظر الحاجة “هاجر” البوسطة في محطتها الأخيرة في البلدة بجانب منزل خياطة البلدة الشاطرة “إم رضى”، قبل أن تكمل طريقها إلى الغسانية ومن ثم العودة للمبيت في البابلية .بعد نزول الركاب، وبينما يتابع المعاون أحمد عبدالله فرز الأغراض والحاجيات على سطح البوسطة و”شولحة” الأكياس الثقيلة على الأرض، تتقدم الحجة من باب البوسطة وتبادر الجالس على المقعد الأمامي : “ما فيي إطلع مشي عالغسانية.عمال معروف معي ومع الله ووصللي هالشمايل ل بو يوسف الدحل ليعملهن مكنسة”. لا يتأخر الجواب، إذ يأتيها من الداخل : “تكرمي.وصلوا . أنا بو يوسف الدحل يا حجة”.

السابق
لعبوا امام منزله.. فأوقع جريحاً!
التالي
أسرار الصحف ليوم الخميس في 18 أيار 2023