الاقتصاد «يترنح» نقدياً.. وهكذا يخرج لبنان من سياسية «هات إيدك والحقني»!

موظفون في لبنان الازمة الاقتصادية

يعيش لبنان ازمة اقتصادية مالية نقدية غير مسبوقة بتاريخه، ما جعلها ازمةً بنيوية تطال كل مقومات الاقتصاد اللبناني، لتلحق الضرر بغالبية الشعب اللبناني، والذي تشير الدراسات الاقتصادية الرصينة والصادرة عن مؤسسات دولية ابرزها البنك الدولي، بأن ما يزيد عن ثمانين في المئة من اللبنانيين باتوا يعيشون دون مستويات خط الفقر.

ما يزيد عن ثمانين في المئة من اللبنانيين باتوا يعيشون دون مستويات خط الفقر

هذه الازمة ليست وليدة اليوم، بل تضرب جذورها واسبابها عميقاً في التاريخ اللبناني اي منذ العهد الاستقلالي الاول، ويعود الامر الى عدم بناء اقتصاد مبنيٌ على ركائز اقتصادية علمية صحيحة، بل على الطريقة اللبنانية وفقاً للمثل القائل “هات ايدك والحقني”.

هذه الازمة ليست وليدة اليوم بل تضرب جذورها واسبابها عميقاً في التاريخ اللبناني اي منذ العهد الاستقلالي الاول

هذا الامر ، اثر سلباً على الاقتصاد اللبناني في مختلف جوانبه، مما جعله هشاً لدرجة انه يتهاوى عند اول منعطفٍ يعترضه، وعلى هذا الاساس كل العهود والحكومات المتعاقبة، لم تتكلف عناء البحث الجدي في دراسة بناء اقتصاد مبنيٌ على أُسس علمية وركائز متينة، تُجنبه الوقوع في مطبات تُبعدهُ عن شر الازمات المستجدة والتي قد تعترضه.
ولم يمُر في تاريخ العهود اللبنانية، سوى محاولة يتيمة واحدة في زمن الرئيس فؤاد شهاب، حين استقدم الخبير الاقتصادي الاب لوبريه، والذي اجرى دراسة علمية و مستفيضة للاقتصاد اللبناني، وعُرفت حينذاك ببعثة إرفد.

يعود الامر الى عدم بناء اقتصاد مبنيٌ على ركائز اقتصادية علمية صحيحة بل على الطريقة اللبنانية وفقاً للمثل القائل “هات ايدك والحقني

هذه المحاولة اليتيمة، حاولت دراسة الاقتصاد اللبناني بمختلف جوانبه، والتي توصلت الى نتيجة، حتمية بأن الاقتصاد اللبناني هش، ولا يرتكز على أُسس علمية وقطاعات اقتصادية حقيقية، مما ساهم في بروز الازمة الحالية بشكلها الواقعي الذي نعيشه اليوم، حيثُ ان تلك البعثة توقعت سقوط لبنان، على اساس ان حتمية السقوط هي وقت وتوقيت، وهذا ما لم تلتفت عليه كل العهود التي اتت بعد عهد الرئيس شهاب، والذي حاول بناء دولة حديثة مبنية على اسس علمية ومؤسسات تقود البلاد نحو المستقبل.

كل هذه الامور مُجتمعة اسست للأزمة الحالية التي يعيشها لبنان، والتي استفحلت في اواسط العام ٢٠١٩، ومما ساهم في تتطورها السريع وتفاقمها، غياب الدراسات العلمية والتي تأخذ بأسبابها البنيوية على محمل الجد، بل كانت المحاولات ترقيعية دون المستوى المطلوب، لا بل دون ان تُلامس تلك الحلول بعضاُ من جوانب الازمة.

كل هذه الامور مُجتمعة اسست للأزمة الحالية التي يعيشها لبنان والتي استفحلت في اواسط العام

واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على استفحال الازمة، يعيش لبنان ارهاصات محاولات مواجهة عبر التواصل مع صندوق النقد الدولي، والتي تم التوقيع على اتفاقية بالاحرف الاولى وعلى مستوى الموظفين، وبالتالي يتطلب الاتفاق النهائي مع إدارة صندوق النقد، ان تبذُل الادارات اللبنانية على مستوى الحكومة والمجلس النيابي جُهداً إضافياً وجدياً ليُثمر حلولاً، ولكن للإسف لتاريخه لا يُمكن القول، إلا ان الجهد والمحاولات المبذولة لاتزال دون المستوى المطلوب، لا بل إن تلك الجهود لازالت تدور في حلقة مُحاباة الطبقة السياسية، ومصالح اصحاب المصارف دون الاخذ بعين للاعتبار مصالح الشعب والوطن والاجيال المقبلة.

مع العلم بأن الحلول ليست بعيدة او مستحيلة، بل هي في متناول اليد لو فعلاً، توفرت النوايا الصادقة والعملية ، فقد تبدأ في تحديد الخسائر وتوزيعها بشكلٍ عادل مابين مسببي الازمة والمسؤول عنها، المصارف، البنك المركزي، والدولة اللبنانية .

الحلول ليست بعيدة او مستحيلة بل هي في متناول اليد لو فعلاً توفرت النوايا الصادقة والعملية

وهذا الامر كان يتطلب البدء بمعالجات فورية بدءاً من:

اولاً : إقرار قانون كابيتال كونترول في الاسابيع الاولى لبدء الازمة، لوقف النزف المالي من خلال تحديد التحويلات المالية للخارج، والتي تُركت لاستنسابية إدارات المصارف، ووفقاً لما يُراعي مصالح الطبقة السياسية الحاكمة.
ثانياً: البدء في التدقيق بموازنات المصارف، وتحميل المسؤلية للإدارات المتخاذلة والفاسدة ووضعهم في السجون، ومن ثم اقرار قانون هيكلة القطاع المصرفي ، وهذا ماحدث بوقت ليس يعيداً في ايسلاندا وتمت معالجته سريعاً وتخطت الازمة.

ثالثاً: وقف النزيف الحاصل، في استنزاف الاحتياط من العملات الصعبة في مصرف لبنان عبر برامج الدعم، والتي ذهبت الى جيوب السماسرة من كبار التجار وسماسرة الادارة العامة، والاحزاب المتنفذة وقياداتها.

رابعاً: الاسراع في عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي، كونه يشكل الممر الألزامي لاستدراج المساعدات في الاستثمارات الجديدة، المطلوب دخولها وضخها في قطاعات الاقتصاد اللبنان المختلفة.

ولكن للاسف، وككل شيء في لبنان، تنحو الامور منحاً لبنانياً صرفاً، فيجري السعي لسياسات ترقيعية بناء على نظريات اقتصادية اكاديمية، درسها بعض الدارسين الاقتصاد اكاديمياً، من دون الاخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالازمة، وما تراكم من ممارسات سيئة على مدار حقبات من الزمن بدءاً:

من سياسة تثبيت سعر الصرف لليرة مرورا باقرار سلسلة الرتب والرواتب والتي لم تجر دراسة كلفتها علمياً، وصولاً الى سياسات الدعم والتي ذهبت الى جيوب بعض المتنفعين، والى خارج الحدود عبر التهريب المنظم من خلال المعابر الغير شرعية، يُضاف اليها بالطبع ترك القطاع المصرفي، يتحكم بودائع اللبناني والتي ذهبت ادراج الرياح من دون حسيب او رقيب، لا بل لا زال القطاع المصرفي، يتحكم بمنع الادارات المتمثلة في الحكومات المتعاقبة منذ بدء الازمة ولليوم، ومنع مجلس النواب ايضاً من إقرار القوانين المطلوبة للبدء يمعالجة جدية لحل الازمة، لان ببساطة وصراحة، القطاع المصرفي يقوم برشوة السياسيين و بعض الاعلام والكثير من الخبراء الاقتصاديين المغمورين، والذين يُشكلون خط دفاع اول عن المصارف.

ككل شيء في لبنان تنحو الامور منحاً لبنانياً صرفاً فيجري السعي لسياسات ترقيعية


واما ما قامت به من جرائم مالية بحق اللبنانيين وودائعهم، فينبري بعض الخبراء الاقتصاديين المستجدين، بطرح قضايا جانبية لحل الازمة، فالبعض يطرح انشاء مجلس للنقد، وكأن المشكلة نقدية تقنية بحتة فحسب، والبعض الاخر يطرح الاستغناء عن الليرة اللبنانية وفقاً لنظرية دولرة الاقتصاد، ويتناسى بأن لبنان لا يستطيع طباعة الدولار، ولا يستطيع الحصول على عائدات بالدولار لدفع المتوجبات على الدولة اللبنانية، تجاه شعبها وقطاعاتها المختلفة.

لذا ليس مستغرباً، ان يجد قطاع المصارف سماسرة، ومن مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاعلامية، ليشن حملات منظمة لتبييض صفحته السوداء، والتي ذهبت ودائع اللبنانيين ضحية المصارف، وسياساتها الجشعة، التي ساهمت بشكلٍ كبير وفظيع، بإرتكابات بحق الشعب اللبناني والاجيال المقبلة.

السابق
بيان جديد من المركزي.. القرار ساري المفعول من اليوم: هل من شروط؟
التالي
اللقاء الروحي في مدينة صور يؤكد على العيش الواحد والالتزام بالقيم الأخلاقية