رحل ميشال عون عن قصر الرئاسة ولم ترحل عنه أوهام طموحاته الكبرى. خرج متعثراً في مشيته وكاد أن يقع على الأرض أكثر من مرة، لكنه تخيّل نفسه فارساً على صهوة جواد، يتفقد قادة حملته وأعوانه ومحازبيه. يرفعه مرافقوه فوق منصّة تخفي قُصر قامته وهزال جسده، ليطل على مناصريه إطلالة الفاتح والمنتصر العائد من حرب ضروس. يعلن بصوت نكاد لا نميّزه عن صوت المحتضر، بداية حرب جديدة ومعارك جديدة وصولات مواجهة أخرى. كأن ما سبق مجرد تمهيد ومقدمات للملاحم الآتية الأكثر شراسة وضراوة ومصيرية.
اقرا ايضا: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: رئاسة ميليشيات لا رئاسة جمهورية
كان جلياً أن عون كان يخاطب نفسه، فهو الخطيب والمخاطب معاً، يعاين صوراً وملاحم وأحداث حبكتها نرجسيات مكبوتة ورغبات عظمة محبطة، أخذت تعوض فشلها بخيال سارح ومثالات مطلقة وعوالم منفصمة عن الواقع ومناهضة له، بل تصوّر كل ما يشبع رغبته بالتعالي على هذا الواقع والإنتقام منه، لأنه لم يوفه حقه ولم يقدّر لحظة وجود عون التاريخية فيه.
كان جلياً أن عون كان يخاطب نفسه، فهو الخطيب والمخاطب معاً يعاين صوراً وملاحم وأحداث حبكتها نرجسيات مكبوتة ورغبات عظمة محبطة
يرى عون نفسه فوق الزمن وخارج التاريخ، فالمدار ليس الملموس الذي ينجزه ويحققه، بل ليس المدار الثبات على موقف أو مبدأ أو الإخلاص لفكرة، فعون بالنسبة لنفسه هو الفكرة والمبدأ، والحقيقة تدور معه كيفما دار، أي لا معيار خارجه منفصل عنه ولا قيمة مستقلة عنه، فهو الطريق والغاية، الأصل والمنتهى. لهذا هو غير معني بكشف حساب للبنانيين، أو جردة حساب لما أنجزه وحققه، أو تسويغ ما أخفق أو فشل فيه، إذ لا يعنيه اعتراف العالم به، فوجود العالم بحسب مقولة عون الشهيرة متوقف على اعترافه هو به.
شخص كهذا لا تقع ضمن حساباته رغبة بمعالجة أزمة أو حل مشكلة، لا يستوقفه وجع بشر أو فقر شعب، لا توقظه كارثة موت أو انفجار مروّع، بل محوره أنا عظيمة متفوقة فائقة وربما مُلهمة إلهاماً مقدساً، يشغلها تأجيج الصراع، تأكيد تفوق وغلبة، بسط سيطرة ونفوذ، تحييد خصوم وتحطيمهم. فالتعطيل عنده ثبات وصمود، والتصعيد بطولة ومغامرة محببة، والفراغ القاتل إثبات وجود، متعة تحكّم، لذّة سيطرة.
يرى عون نفسه فوق الزمن وخارج التاريخ فالمدار ليس الملموس الذي ينجزه ويحققه بل ليس المدار الثبات على موقف أو مبدأ أو الإخلاص لفكرة
هكذا عايشنا ميشال عون على مدى ثلاثين عاماً، حالة سياسية غريبة ومحيّرة ومدمرة، ومع ذلك باتت جزءً أساسياً من قواعد الحياة السياسية في لبنان، تتقن التقلّب والانقلاب على ثوابتها بثقة وراحة ضمير، تجيد الرقص على طرفي النقائض، بل تتفنن في الجمع بينهما، فتراها ترفض الطائف ولا تتمسك من بنوده إلا بما يعزز مواقعها، تدعو إلى العلمانية وتتمترس خلف طائفيتها، تشن حملة الإصلاح وهي غارقة في الصفقات والعمولات على حساب المال العام، تطالب بالدولة وتساوم على سيادتها، تؤيد المقاومة وتضمر ولا تفوّت فرصة لاعلان رغبتها القوية للاعتراف بإسرائيل. حالة تسوّغ هبوطها وسقوطها بلغة نبؤاتية، تصوّر هزائمها وانكساراتها ملاحم إغريقية، تتفنن في الوعود غير القابلة للإيفاء، تطرح معادلات استراتيجية مثل “حلف الأقليات”، التي هي أقرب إلى مشاريع فتنة وغايات انتقام وثأر ووسيلة احتقار لمكونات المجتمع المتعددة (السنة مثالاً).
هكذا عايشنا عون على مدى ثلاثين عاماً حالة سياسية غريبة ومحيّرة ومدمرة ومع ذلك باتت جزءً أساسياً من قواعد الحياة السياسية في لبنان تتقن التقلّب والانقلاب على ثوابتها بثقة وراحة ضمير
حالة لم تقتصر على شخص، بل حوّلت نفسها حالة شعبية، خلقت لنفسها جماهيراً وأتباعاً ومريدين، ثقافتها الرقص والأهازيج والولاء غير المعقلن، والشعارات غير المفهومة في أكثر الأحيان، يقتصر وعيها السياسي على تمجيد الرمز القائد والمزاودة في أسطرته ورفعه إلى مصاف القديسين. جمهور اختزل قضيته بمكانة شخص، وقلص معنى الوطن والمصير إلى صورة جنرال متخيلة لا واقع ولا حقيقة لها سوى لجوئها المذلّ من القصر الجمهوري إلى إحدى السفارات.خرج ميشال عون من قصر الرئاسة، واعداً جمهوره بصولات جديدة، معلناً أن معركة “التحرير” لم تنته بعد، ظنّاً منه أن الأمور ما تزال على حالها من الاندفاع والطاقة والعزم. لكن عون لم يدر، أنه كان يخاطب جمهوراً مرهقاً ومحبطاً ومرتبكاً ومتردداً، جمهوراً باتت قضيته مثل باقي اللبنانيين هي لقمة عيشه، التي لم يأت عون على ذكرها بل أهملها طوال فترات حكمه وظل يستخف بخطورة وقعها.
لم يدر عون أن خروجه إلى الرابية كان رحلة وداع أخير، بنظر الخصوم والمحيطين به، ليس من قصر الرئاسة فحسب، بل من حقل السياسية ومساحة التأثير ودائرة القيادة.

