لا يمكن فصل الأزمات في لبنان عن مسار الأوضاع الإقليمية وتقلباتها، إذ بدت الأنظار شاخصة الى فيينا، التي أصبحت على موعد يوم ٢٩ تشرين الثاني الجاري، مع جولات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، حيث يستنفر كل طرف أدواته، كأوراق ضغط في المحادثات النووية.
ويعتبر ملف ترسيم الحدود البحرية في لبنان، أحد أبرز هذه الأوراق التي يتجاذبها ثنائي التفاوض الدولي، نظرا لإرتباط هذا الملف في الصراع بين إسرائيل و”حزب الله”، الذي يحاول ضم ملف الترسيم كورقة رابحة في جعبة إيران، في وقت تسعى إسرائيل الى هدنة طويلة الأمد مع “حزب الله”، عبر الإتفاق على التنقيب عن النفط ما يضمن الإستقرار في المنطقة التي وضعت على طريق التطبيع. وليس بعيدا من ذلك، أعطى المبعوث الأميركي لشؤون الطاقة آموس هوكشتاين لبنان، مهلة لتوقيع إتفاق ترسيم الحدود البحرية، ما يعني ربط مسار التفاوض النووي في فيينا، بالتفاوض البحري في رأس الناقورة.
“حزب الله” يُظهر شكلياً أنه يسهل هذه المفاوضات لتحقيق مكتسبات إقليمية ودولية
وتشير مصادر متابعة، الى أن “حزب الله” يُظهر شكلياً أنه يسهل هذه المفاوضات لتحقيق مكتسبات إقليمية ودولية، في الوقت الذي يقف وراء تعطيلها فعليا، من أجل إبقاء الخلاف على حقوق لبنان البحرية والنفطية والغازية معلقاً، ما يعطي الحزب ذريعة للإحتفاظ بسلاحه وصواريخه الدقيقة بحجة الدفاع عن حقوق لبنان البحرية”.وهذا ما أكده، بشكل أو بآخر، الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، عندما أعلن أن ترسيم الحدود البحرية أمر متروك للدولة، إلا أنه أكد أن المقاومة سوف تتصرف إذا رأت أن نفط لبنان في دائرة الخطر”.ويشي رصد مسار الأحداث بوجود تباين واضح في المواقف والسلوك بين الرئيس نبيه بري، الذي يسعى جاهدا للوصول الى إتفاق نهائي مع إسرائيل حول الترسيم البحري عبر الوسيط الأميركي والأمم المتحدة، وبين حزب الله الذي يتخبط في مواقفه. وترى مصادر مطلعة على مسار المفاوضات في هذا السياق، أن “الحزب سيقف عائقا أمام أي تقدم جدّي في المفاوضات مع إسرائيل، بإنتظار ما ستؤول اليه مباحثات فيينا وكيفية إستفادة إيران من هذه الورقة، وفي حال التوصل الى أي إتفاق بين الأطراف المعنية في الناقورة، فإن حزب الله سيتحفظ عليه كي يحافظ على سلاحه كما ونوعاً”، لتستدرك بالقول”: ولكن هذا السلاح قد يأكله الصدأ، لأن أي إتفاق سيدخل المنطقة في هدنة قد تكون مدخلا لواقع جديد، أما إذا تعثرت المفاوضات فقد تشهد الأوضاع تصعيدا من قبل الأطراف المتنازعة”.
يقف “حزب الله” وحيدا، موقف المراقب والمتطلع نحو فيينا لإلتقاط إشارات طهران ليعلن موقفه الداعم أو رافض للحرب أو السلم
ومن الواضح أنه و بعد تعثر المفاوضات في الأشهر الماضية، بدا لبنان الرسمي مستعدا لإستئناف المفاوضات غير المباشرة بشأن ترسيم الحدود البحرية، فيما يقف “حزب الله” وحيدا، موقف المراقب والمتطلع نحو فيينا لإلتقاط إشارات طهران ليعلن موقفه الداعم أو رافض، للحرب أو السلم، ضاربا بعرض الحائط سيادة لبنان ومصلحة اللبنانيين الذين يتخبطون في أزماتهم الداخلية، ويدفعون ضريبة صراعات خارجية لا تغني ولا تسمن من جوع، تقف عائقا أمام إستخراج ثرواته البحرية وأمام أي حل لأزمات لبنان السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية.

