لا يزال تحقيق العدالة، لهؤلاء الشهداء المظلومين بعيد المنال، قياساً بالمعوقات التي توضع امام القضاء اللبناني، الذي لم يفلح الى الان، في وضع منهج واضح، يؤدي الى التفسير المنطقي، الذي لا يسأله اللبنانيون فحسب، بل العالم اجمع: كيف حصل ذلك ومن هو المسؤول؟.
إقرأ أيضاً: حزب الله يُهول «أمنياً» في ذكرى 4 آب..والتشاؤم يُطوّق «مَهمة» ميقاتي!
لقد تم استبدال قاض بقاضٍ اخر، دون ان يعرف اللبنانيون اين يكمن دور القضاء وهيئاته الرقابية، ودور التدخلات السياسية في عملية الاستبدال تلك. هذا مع العلم ان جريمةً بحجم جريمة المرفأ، هي بحاجةٍ لمجموعةٍ من القضاة المحترفين لا لقاضٍ واحد، ففي ذلك هدر للوقت والطاقات، التي يجب ان تتوفر دون أي تأخير، لاستبيان الحقائق المتعلقة بكيفية حدوث ذلك الانفجار، ومن هو المسؤول عنه. وما يلمسه اللبنانيون من بطء او تباطوء، في مسار الوصول الى تحقيق العدالة، لا علاقة له بالمبدأ القائل، ان القضاء يجب ان لا يكون عجولا، بل ان السرعة في التحقيق مطلوبة، والتأني في اصدار الاحكام واجب.
جريمة بحجم جريمة المرفأ هي بحاجةٍ لمجموعةٍ من القضاة المحترفين لا لقاضٍ واحد
فهذان الامران مختلفان عن بعضهما، الا انهما يلتقيان، في تحقيق العدالة دون ظلم او اجحاف.
فالعدالةُ كمفهومٍ فلسفي في اساسه، وقبل ان يكون مفهوماً حقوقياً، يرتبط بالإنسان نفسه وبركائزه الوجودية، في عالم يبغاه مكاناً امناً، يكرس فيه احترام الكرامة البشرية بالنسبة للفرد والمجتمع. فلا قيام لاستقرار في مجتمع ما، دون تكريس العدالة فوق الجميع، والعدالة التي تحمي المجتمع هي العدالة الشاملة، التي لا تظلم أحدا ولا تسمح لاحد بالافلات من العقاب، فخير لروحية العدالة بمعناها الإنساني، ان يفلت من العقاب الفُ مجرم ولا يعاقب انسان برئ بتهم باطلة، فذلك اخطر على العدالة من مجرم افلت من العقاب وفر من مجتمعه، فعقوبته هنا قد تحققت بهروبه، حتى ولو لم ينل العقاب اللازم، وهذا ما يؤكد ان العدالة تنفي عنها صفة الانتقام او التشفي، العدالة تشفي الجروح وتؤكد على حق المجتمع، في معاقبة المجرمين الذين ينالون من الكرامة البشرية.
العدالة تشفي الجروح وتؤكد على حق المجتمع في معاقبة المجرمين الذين ينالون من الكرامة البشرية
وتحقيق العدالة وسيلة لتقويم دور الدولة، في توقيع الجزاء باسم المجتمع، الذي يمس امنه وطمانينته، من جراء المس بالارواح والممتلكات، فكلما فشلت في تحقيق ذلك، وجبت محاسبتها وفق الاليات، التي يحددها الدستور نفسه. فتلك وظيفة راسخة من وظائف الحكومات والدول.
فلا مجال للحديث عن حقوق الانسان، في ظل عدالة غائبة ومغيبة، فهي بالاصل تقوم على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، اذن العدالة ركيزة من ركائز تلك المنظومة الحقوقية، التي أصبحت في قلب القانون الدولي، بعد ان أصبحت جزءا لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة، والاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948.
تحقيق العدالة وسيلة لتقويم دور الدولة في توقيع الجزاء باسم المجتمع، الذي يمس امنه وطمانينته
شمولية حقوق الانسان
يمكن تعريف حقوق الانسان، بانها المعايير الأساسية التي لايمكن للناس من دونها، ان يعيشوا بكرامة البشر، فهي أساس العدالة والسلام، ومن شأن احترامها اتاحة فرص تنمية الفرد والمجتمع تنمية كاملة، هي الحقوق التي تستند الى سعي البشر، من اجل حياة تضمن الاحترام، والحماية للكرامة المتاصلة والقيمة الذاتية للإنسان.
حقوق الإنسان “حقوق متأصلة في جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر. إن لنا جميع الحق، في الحصول على حقوقنا الإنسانية، على قدم المساواة وبدون تمييز. وجميع هذه الحقوق مترابطة ومتآزرة وغير قابلة للتجزئة”.
تأتي اهمية هذا التعريف، من كونه قد نصّ على ان حقوق الانسان مترابطة، وغير قابلة للتجزئة باعتبارها تتعلق بالانسان، وكل ما يتعلق بالانسان لا يمكن تجزئته او اقتصاره على حق دون الاخر، كما انها غير محل للمساومة، وغير قابلة للتنازل عنها لا رضاءً ولا جبرا، وطليعة تلك الحقوق هو الحق بالحياة، اذ لولاه لا داعي للحديث عن الحقوق الاخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فكل هذه الحقوق المعروفة، بحقوق الجيل الاول والثاني والثالث، جاءت لتؤكد على الحق بالحياة الكريمة، كما يلزم ذلك وبكل متطلباتها. فقد نصت المادة الثالثة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948، ان لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
اما المادة السادسة من العهد الدولي الخاص، بالحقوق المدنية والسياسية تنصُ على ان لكل انسان، الحق الطبيعي في الحياة، ولا يجوز حرمان اي فرد من حياته بشكل تعسفي.
ساعد الوعي السياسي على ترسيخ فهم افضل لتلك الحقوق وتكريس تطبيقها على مستوى الافراد والمجتمعات
وقد ساعد الوعي السياسي بعد بناء الدولة الديقمراطية، على ترسيخ فهم افضل لتلك الحقوق، وتكريس تطبيقها على مستوى الافراد والمجتمعات، فحق الحياة والتنقل وحق الملكية وحق الزواج والحق في السكن وحق التعبير، كلها حقوق فردية يتمتع بهل كل انسان، بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية او الجنسية او العرقية ، اما حق المجتمع فهو ايضا يتعلق بجميع الافراد، وحياتهم المشتركة العامة، مثل حق الامن والسلامة الخ. فلا تحقيق لذلك، الا بوجود قضاءٍ مستقلٍ يمارس استقلاليته، ويحافظ على الضمانات القضائية لجميع الاطراف، دون تفرقة او تمييز تحت الزامات القانون.
إن اقرار مبدأ فصل السلطات، جاء في سياق التطور النظري، المتعلق بتكريس المنظومة الحقوقية، كقيمة من مجموع قيم المجتمع، من خلال سلطة قضائية مستقلة، التي تدعو وتطبق مبدأ المساواة امام القانون، فكيف يمكن ان نضمن تلك المساواة، في ظل اختلال الموازين لصالح السلطات السياسية، من هنا اكدت المواثيق والعهود الدولية، التي تم تبنيها من قبل العديد من الدول في دساتيرها وهكذا فعل لبنان الذي نص دستوره على تلك الحقوق. وفي خضم الدعوة لمحاكمة المسؤولين عن جريمة المرفأ، لا يعني ذلك اصدار الاحكام، او اهدار اي حق من الحقوق، التي يستفيد منها أي متهم، فالعدالة لا تتحقق الا من خلال محكامات عادلة، تراعي فيها مبادئ التساوي امام القانون، والخضوع لمحاكمات عادلة وعلنية، وكل متهم برئ حتى تثبت ادانته، وان تتاح له الفرص الكافية للدفاع عن نفسه، بعد ابلاغه بلغة مفهومة التهمة وسببها، وكل ما يتعلق بالتطبيق الفعلي للمحاكمات العادلة، وفق اعلى معايير الشفافية وعدم التمييز بين المتقاضين.
في المقابل اذا كان الوصول للمعلومة المالية او السياسية، حق من الحقوق المعترف فيها، فإن معرفة الحقيقة تتجاوز فكرة الحق الفردي، لتصل لمعنى اشمل يتعلق بحماية المجتمع، بتلك المعرفة من خلال الضمانات القضائية، التي تؤكد على حق كل انسان باللجوء الى المحاكم الوطنية، لتحقيق العدالة ومعرفة الفاعلين والمسببين، عير محاكمات عادلة ونزيهة.
مسار التحقيق يشهد نقاشا مطولا ما يؤكد على ان ثمة ممانعة شديدة لتحديد المسؤوليات ولو على المستوى الوظيفي
ولا يزال مسار التحقيق يشهد نقاشا مطولا، حيال دور المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ورفع الحصانات في سياق واضح، يؤكد على ان ثمة ممانعة شديدة لتحديد المسؤوليات، ولو على المستوى الوظيفي كفعل الاهمال والتقصير.
إن سلوك السلطة، يشكل تعديا على مفهوم العدالة، الذي يفرض نفسه لناحية فرض تسهيل عمل القضاء، دون تدخل منها، ان لناحية التفاسير الدستورية ذات الصلة، او تحديد المدى الزمني والمكاني للحصانات، وأين يجب ان يؤخذ بها بمعناها الضيق او الواسع.
ويجب ربط مسارات التحقيق بديناميات شعبية تذهب باتجاه خلق توازن مع تدخلات السلطة لحماية القضاء ودفعه للذهاب بعيدا دون خوف او وجل. فجريمة المرفأ هي من طبيعة وجودية كاشفة لحقائق كثيرة تتعلق بالادارة ومدى الاهتراء الذي وصلته، وكيف ان العلاقات الزبائنية في تعيين الموظفين، قد ادت الى جعل المرافئ العامة خارج كل رقابة ومحاسبة، وكأن تلك الاماكن سائبة خارج سلطة الدولة، ومن يقوم فيها بالخدمة العامة يخضع للزعيم ومصالح الطوائف وقواها السياسية.
الشعب اللبناني يجب ان يعمل على منع الالتفاف من قبل المسؤولين على عمل القضاء
فقد مارس هؤلاء دون مواربة، فعل التبعية العمياء، لاصحاب الفضل في تعيينهم وتجاوزوا في استعمال السلطة، تكريسا لتفوق الزعامات على الدولة عند كل تعارض بين المصلحتين. ومسؤولية هؤلاء انما تتأتى من خلال مسؤولياتهم الاولية لناحية التعيين، وناحية تأمين الغطاء لاستغلال النفوذ وتجاوز القوانين، وما كشفته التحقيقات يشير الى ان ثمة من تعاطى مع النترات كبابٍ للرزق، وهناك من كان يعرضهم للبيع، متحولا الى سمسار مواد خطرة سعيا لتحقيق منفعة مادية، دون ان يحرك ضميره ليستشعر خطورة تلك المواد، على السلامة العامة وامن الناس واوراحهم.
إن الشعب اللبناني انطلاقا من حقوقه الاساسية، يجب ان يعمل على منع الالتفاف من قبل المسؤولين على عمل القضاء، الذي يجب ان يناط به منفردا قضاء التحقيق وقضاء الاتهام وقضاء اصدار الاحكام، فالعدالة ترتبط مباشرة باستقلالية القضاء، اما السياسة فلها غايات اخرى، لا دخل لها بمنظومة الحقوق والبحث عن العدالة.

