يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان قبيل عيد الميلاد وكأنه “بابا أيمانويل” تيمنا بـ “بابا نويل”، لإعادة الزخم إلى مبادرته الفرنسية، في الوقت الذي نزعت فيه القوى السياسية في لبنان آخر ورقة توت عن عوراتها الكثيرة.
و لم تعد تخجل من اللعب “على المكشوف”، لجهة تمسكها بمكتسباتها السياسية والمادية ولو على حساب اللبنانيين، أو من إنهيار هيكل الوطن على رؤوسهم.
وأبلغ دليل على ذلك ما يحصل في ملفين أثنين: الاول التحقيقات في إنفجار المرفأ وما يرافقه سجالات قانونية وسياسية ومذهبية، والثاني تشكيل الحكومة وتبادل الاتهامات بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس المكلف سعد الحريري، حول الطرف المسؤول عن عدم ولادتها إلى الان وحرب البيانات الدائرة بين القصر الجمهوري والوزير السابق سليم جريصاتي من جهة وبيت الوسط من جهة أخرى.
وسط كل هذه المعارك المحتدمة والغبار المتصاعد، سيأتي ماكرون وسيتكلم مجددا عن تشكيل حكومة إنقاذ أو “مهمة”، وإن كان لم يظهر إلى الآن من المسؤولين السياسيين الذين سيلتقيهم في قصر الصنوبر خلال زيارته لبنان.
و تنقل مصادر دبلوماسية لـ”جنوبية”، إلى أن”الرئيس ماكرون لن يكون “بابا نويل” الذي سيحمل الحل السحري للمعضلة اللبنانية، بل سيستمر في الضغط لتنفيذ مبادرته، و هو لم يتوقف عن ذلك في المرحلة الماضية و إن كانت هذه الضغوطات غير مرئية”.
تضيف المصادر :”الفرنسيون يشعرون بغضب شديد من أداء السياسيين اللبنانيين ولكنهم لن يستسلموا، وهم يعتبرون أن مبادرتهم لا تزال صالحة ويمكن ضخ المزيد من الحيوية في عروقها وهذا ما سيفعله ماكرون، خصوصا أنه لم يتغير أي معطى في الواقع اللبناني كي يعتقد الفرنسيون أن مبادرتهم لم تعد صالحة”.
لا إنهيار و لا فوضى
يوافق سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة على إعتبار المبادرة الفرنسية لم تنته صلاحيتها بعد ويقول لـ”جنوبية:” زيارة الرئيس ماكرون هي لزيادة الضغط على المسؤولين اللبنانيين، ولا أعتقد أن الفرنسيين سيعمدون إلى طي صفحة مبادرتهم بسهولة، لأن لهم مصالح إستراتيجية في المنطقة، وهم يتفاوضون بأسم أوروبا وكذلك الامر بالنسبة للأميركيين”. ولفت إلى أن “الملفات التي تهم المجتمع الدولي هي موضوع النازحين السوريين والخوف من توجههم نحو أوروبا، كما أن الاميركيين يريدون إنهاء ملف الحدود البحرية ويتخوفون من حصول أي حدث أمني يورط إسرائيل في مواجهات عسكرية ليست على إستعداد لها حاليا”.
طبارة لـ”جنوبية”: العام المقبل يحمل حكومة تتفاوض مع المجتمع الدولي
واعتبر أن “السياسية الاميركية في عهد الرئيس جو بايدون ستكون في إتجاه عقد مصالحات مع دول المنطقة، ولذلك فالفرنسيون لا يزالون يتمسكون بمبادرتهم، لكن المشكلة أنهم يواجهون مجموعة من السياسيين اللبنانيين المصّرين أيضا على عدم تقديم أي تنازل أو مساعدة للمجتمع الدولي كي يبادر إلى مساعدة لبنان”.
يوضح طبارة أن الضغط الفرنسي على الطبقة السياسية في لبنان لا يزال مستمرا، لافتا إلى أنه “أحيانا الضغط يؤتي نتائجه إذا إستمر لفترة طويلة، وهذا ما يُعرف بالضغوط التراكمية والاساليب لهذه الضغوط عديدة ومنها العقوبات على الصف الاول من السياسيين، كما يمكن أن تكون العقوبات من الاميركيين والاوروبيين معا، وأعتقد من الصعب مواجهتها من قبل المسؤولين السياسيين” .
“حزب الله” يترقب
يضيف:”أعتقد أن حزب الله ينتظر لمعرفة ما هو إتجاه الادارة الاميركية الجديدة تجاه إيران ولا سيما في ما يتعلق بالاتفاق النووي وإعادة إحيائه، وأيضا ملف العقوبات وتخفيفها أو زيادتها”.
وأردف”: ولذلك ستكون الحكومة احدى النقاط التي سيتم حلها، خلال ترتيب الاوراق الجاري في المنطقة بين الاميركيين والفرنسيين من جهة وبين إيران وحلفاءها من جهة أخرى”.
و شدد على أن “المجتمع الدولي لن يترك لبنان ينهار إقتصاديا ويحصل فوضى إلى حين الوصول إلى إتفاق”. ورجح “أنه سيجري العمل على عدم إنهيار لبنان، وإستمراره بالحد الادنى من المقومات أي تأليف حكومة فاعلة كي يتمكنوا من ترتيب أوضاعه بشكل جذري حين ترسم الحلول في المنطقة”.
ويعرب طبارة إعتقاده أن “العام المقبل سيحمل حكومة جديدة للبنان، لأن التركيز منصب حاليا على عدم إنهيار لبنان، وإيجاد مرجعية يمكن التفاوض معها حين تحصل الاتفاقات الكبرى في المنطقة”.
ويختم:”مهما بدت الامور مقفلة فإنه بلحظة ما ستولد الحكومة لأن الضغوط الدولية مستمرة ولو كانت غير مرئية، وما يحصل اليوم هو ترتيب لشكل ومضمون الحكومة وفجأة سينكسر السد وتعود المياه الحكومية إلى مجاريها”.


