فيما يتوجس اللبنانيون شرًّا من مرحلة ما بعد نيل حكومة الرئيس حسان دياب الثقة، ومن احتمال أن يُحكَم فيها خناقان: من المجتمع الدولي على رقبة الخزينة الفارغة والمنهوبة، ومن الدولة اللبنانية الفاشلة على رقبة المواطن بتحميله مزيدًا من الأعباء الاقتصادية، في محاولة هي أشبه باللعب بالنار، إذ ستدفع أرتال المترددين في الاشتراك بثورة 17 تشرين إلى أحضانها بكل قوة، لا يزال سفراء الدول الكبرى، وبخلاف المواطن الثائر، يتصرفون مع السلطة وفق المثل القائل “مَن يدُه في الماء ليس كمن يده في النار”، بمنطق إعطائها مزيدًا من الفرض، شرط برّها بوعودها الإصلاحية في “سيدر”.
لتذهب معهم هذه السلطة المترنّحة إلى لعبة “الدجاجة قبل البيضة”، فتوقِف الإصلاحات على رفد البلد بالمبالغ المالية من الدول والهيئات المانحة، وهو رفد يتحوَّل أكثر فأكثر “سرابًا يحسبه الظمآن ماءً”، مع تشديد الجهات المانحة تأكيدها أن لا أموال قبل الإصلاحات، وأهمها الولايات المتحدة، التي وصف مساعد وزيرة خارجيتها السابقة جيفري فيلتمان حكومة دياب في حديث لمحطة تلفزيونية شهيرة بأنها “الأقرب إلى سوريا وإيران وحزب الله منذ حكومة عمر كرامي عام 2005″، على رغم إبدائه معارضة لعدم تعامل الغرب بشكل استباقي معها، داعيًا إلى “انتظار ما ستفعله واستجابتها لمطالب المحتجّين وتعاملها مع القضايا الاقتصادية”، وكذلك دول الخليج العربي، التي لم يزر أي من سفرائها في لبنان الرئيس المكلّف لتهنئته، ما يعكس بوضوح موقف دولهم المتحفظ من هذه الحكومة، ويمثّل رسالة مباشرة لدياب ومَن خلفه بعدم المراهنة على الدول الخليجية في تقديم أموال للبنان ولقطع أي تخمينات بإمكان دعوة دياب لزيارتها.
إقرأ أيضاً: حكومة.. إفقار الفقراء!
نعم، يتوجس اللبنانيون من “الأيام السود” التي بشرهم بها “بيّ الكل”، ملطفًا تسميتها إلى “صعبة”، وباتوا في صراعِ بقاءٍ، فبعد أن كانوا “رهينةً” محور إقليمي غدوا أشبه بـ”رهين محبَسَي العمى والبيت”، أبي فراس رحمه، رهائن المصارف وجشع السياسيين سارقي الهيكل.
لعنة المحور
لعنة المحور تلاحق اللبنانيين حتى في أوجاعهم، ففي الطريق إلى البرلمان يختزن البيان الوزاري في أحشائه “جنين” يعتبره الجندي الصغير لدى الولي الفقيه قاعدته الذهبية ويشبّهه اللبنانيون الأسرى ببيان ينتزعه ضابط يضع مسدسه على الطاولة مصوَّبَ الفوهة نحو معتقل لا خيار له سوى كتابة ما يملى عليه، واللبناني المعترض سابقًا على مقولة “العواصم الأربع” بات لا يدري ما يقول، بل سلّم بما كان يُقال، بعد أن غدت الرئاسات الثلاث بيد المحور الذي يعتبر احتلال العواصم وسرقة خيراتها والقتل والظلم والقهر…. طريقَه إلى القدس…. وآه ثم آه ثم آه أيتها القدس الحبيبة كم تُرتكب الموبقات باسمك الشريف، وكم هناك من رعاع لو لم تكوني محتلة لتمنوا من أعماق قلوبهم لك الاحتلال، ولو لم تكن هناك إسرائيل لتمنّوا لها الوجود لاتخاذها شمّاعة يعلّقون عليها خطاياهم، بل خطيئاتهم.
اثنا عشر (12) وزيرًا في حكومة دياب يحملون الجنسية الأميركية، أنها حقًّا وصدقًا حكومة أميركية إيرانية حلت مكان حكومة أميركية سعودية ولكن بفائض من “مساحيق” التجميل المصاحب بالضرورة لشاغلات ثلث المقاعد الوزارية للمرة الأولى في تاريخ لبنان، لست سيدات، يدّعين تشميرهن عن ساعد الجد ولسان حالهن “إنا وإن كنا الأخيرات زماننا، لآتيات بما لم يستطعه الأوائل”، وفاتهن أن مصرع صاحب الأبيات كان شعره الذي فاخر فيه بنفسه حتى جلب له بيت منه الهلاك.
ناقشت الحكومة العشرينية الموازنةَ في مجلس النواب بصفر وزراء، وحده رئيس هؤلاء كان يجلس كالتلميذ المهذب مكتِّفًا يديه، ومحدقًا إلى أسفل كالبنت العذراء، أو ربما حياء من مناقشته موازنة لم يشارك في أي رقم فيها، أو ربما لعدم اكتراثه بموازنة يغلب على ظنه أنه لن يحتاج إليها خلال حكمه، لأنه سوف يلجأ بعد ترجيحه مسبقًا سد أبواب المجتمع الدولي في وجهه، إلى صندوق النقد الدولي الذي سيفرض موازنة جديدة، والأهم من ذلك كله خلف جدران من العار كان فضاؤها المفتوح من الناحية الأخرى “ملتهبًا” ومكانًا لفقء العيون وبتر الأصابع وإسالة دماء من ليس ذنبهم سوى أنهم يريدون دولة لا تكون مغنمًا لمن يدير جلسة المجلس ناهيك عن “تلميذه” المطيع.يبدو رئيس وزرائنا متفائلًا إلى درجة اللاواقعية المفرطة، أما الإجابة على سؤال: بناء على أي معطيات صاغ بيانه الوزاري، فلن يقدمها سوى حسان دياب نفسه.
البيان الوزاري
يذكرنا البيان العتيد بمثل مصري شعبي يؤمن به البسطاء الجَهَلَة ويعملون به، وهو “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”، أما وقد ورث الدكتور المتنور المحاضر في الجامعة الأميركية، بلدًا عمل القيمون عليه بمثل قريب هو “اسرق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”، وارتضى أن يجلس عيونه في عيون من سرق ونهب وزوَّر وخدع وهرّب ورشى وارتشى وترك الدولة قاعًا صفصفا، ثم سرّب للناس “البيان المعجزة”، الذي دعا فيه –وفق “رويترز”- إلى ما يحتاج إلى مصباح علاء الدين لتنفيذه.
فمن خفض معدلات الفائدة، إلى إعادة رسملة المصارف في إطار خطة إنقاذية “تتضمن خطوات مصيرية وأدوات علاج ستكون مؤلمة تجنبًا للانهيار الكامل الذي سيكون الخروج منه صعبًا إن لم نقل شبه مستحيل”، إلى “التواصل مع المؤسسات والجهات المانحة لتأمين القروض الميسرة للخزينة والإسراع في إجراء دورة التراخيص الثانية في قطاعي النفط والغاز وتعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء كجزء من إصلاح القطاع الكهرباء”، واستقلالية القضاء، ومكافحة الفساد، وتلبية شروط مؤتمر سيدر بإصلاحات مالية واقتصادية وحماية أموال المودعين، وخصوصا صغارهم، ومعالجة القروض المتعثرة، وتحفيز النمو الاقتصادي، واصلاحات تطاول الطاقة، والأشغال، والأجهزة العسكرية والأمنية، وتحويل الاقتصاد الوطني الى اقتصاد منتج، والعمل على كشف مرتكبي جرائم المال العام والسعي لاستعادته بمساعدة القضاء ومؤسسات متخصصة، وإقرار قانون الصندوق السيادي، وقانون الشركة الوطنية، وإنجاز قانون جديد للانتخابات، كما حدد البيان سقوفاً زمنية لبعض الخطوات والإصلاحات….
ونحسب أنه لم يعد ينقصه القول سوى إرسال قمر صناعي إلى الفضاء، وصنع غواصة لبنانية.درة التاج في البيان، بند المقاومة، أشار المسوّدة المسربة إلى أنه شبيه الذي كان مكتوبًا في بيان الحكومة السابقة مع إمكان ان يطرأ تعديل عليه وفق ملاحظات الوزراء، وهو البند الذي ينص على “حق اللبنانيين بمقاومة الإحتلال الإسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة، مزارع شبعا وتلال كفرشويا والجزء اللبناني من قرية الغجر “، كما يتضمن بندًا عن النأي بالنفس، ومكافحة الإرهاب وشبكات التجسس الإسرائيلية، والتمسك بمبدأ ترسيم الحدود البحرية وفقُا للمواثيق والمعايير الدولية.بقيت معظم بنود بيانات الحكومات السابقة حبرًا على ورق، إلا بند حق المقاومة، فهل سيستطيع المهرول إلى سكنى السراي تحقيق شلال البنود الموعودة المتدفق التي ذخّر بها بيانه، أم أن الوقت سيبقى يلتهم الليرة والودائع والمدخرات وفرص العمل ودورة الإنتاج، وتاليا النمو الاقتصادي؟
هل “تُقلع” الحكومة؟
وهل سيستطيع دياب “التقليع” لوحده وسط العزلة الدولية؟ أم أنه سيستعجل آخر الدواء ويلجأ مبكرًا إلى الكيّ، مستجيرًا بالبنك الدولي متأبطًا خطة “ماكينزي” ومشروع “سيدر”، والذي ستكون عواقب الاستدانة منه كارثية على مؤسسات الدولة الكبرى والحساسة بعد أن يُجبر لبنان على تخصيصها، مثل مطار بيروت الدولي، ومرفأ بيروت، وشركات الاتصالات وغيرها، فنكون عندها كالمستجير من الرمضاء بالنار، ناهيك عن معارضة “مايسترو” الحكومة، حزب الله، اللجوء إلى خيار صندوق النقد.قدر لبنان المسكين أنه سُمِّي ميدانًا تقارع إيران بواسطته المجتمع الدولي، وهو اليوم يدفع ثم هذه التسمية الملعونة وضعًا لليد من المصارف على أموال بنيه وجنى أعمارهم.قالوا في مسوّدتهم المسرّبة إنهم سيعيدون الأموال المنهوبة خلال 100 يوم!! لكنْ ممن؟؟ أمن الذين عيّنوهم بعد أن ألقموهم بالفم حلاوة الوزارة فاستحت العين؟
وكيف سيحمون الناس التي ستشهد في قضايا الفساد؟ وفي حال أصاب أحد الشهود مكروه ألن يخلق ذلك مشكلة اجتماعية ويقوض جهود الحكومة غير القادرة على حماية مخبريها؟ أوليس الأجدى في هذا المجال استئناف العمل في المشروعين لاستعادة الأموال المنهوبة الموجودين في أدراج المجلس بدل العمل على مشروع ثالث يتطلب وقتًا ومالاً لإنشاء لجان في وقت أن لحنة التحقيق الخاصر في ملف الأموال الضائعة قد تم تشكيلها وبالتالي من الأجدر الاستعانة بها بدل إنشاء أخرى جديدة؟وقالوا سيخفضون كلفة الكهرباء!!! لكنْ كيف؟؟
أبالتقنين وزيادة نقمة المواطنين أم بقمع التعديات على الشبكة العامة التي ازدادت وتيرتها في الآونة الأخيرة وحتى مراقبو شركة الكهرباء لم يستطيعوا منعها؟وقالوا باستخراج الغاز والنفط، ولكن من أين يبدأون؟ هل سيتّبع دياب سياسة المحاصصة الطائفية والحزبية كما كان مقررًا في الحكومة السابقة فيبني ثلاث محطات تغويز (في البترون والزهراني والشمال) وهي ذات تكاليف عالية جدًا في حين أن حاجة لبنان هي إلى محطة واحدة فقط؟

