«تدمر» صفحة من صفحات النظام البعثيّ السوداء

الإنسان في العالم العربي يساوي صفرا، هذا ما تكشفه السجون العربية، الرسمية أم غيرالرسمية. ماذا يروي فيلم "تدمر"؟

ما ان ارتسمت كلمة “نهاية” الفيلم الوثائقي، حتى اندفعت قدماي بسرعة قصوى الى خارج “سينما صوفيل” نحو الشارع لآخذ نفسا عميقا، وحين لمحت ضوء الشمس في السماء تنفّست الصعداء انفراجا بعد طول عتمة وغمّ وحزن.

كنت قد ارتبكت كثيراً بعد أن دعاني صديق لحضور فيلم “تدمر” نظراً لخوف لدي من مشاهد العنف، والتي أتهرّب منها دوما، حتى من على شاشات التلفزة، ولو كانت عبارة عن مشهد صفعة.

حاولتُ التهرّب، لأني إلى الآن لم أنسَ رواية “القوقعة” وقبلها رواية “الشهيد سمير القنطار” وقبلهما روايات “معتقلي أنصار” حيث العنف واحد، والإرهاب واحد، لا فرق بالنسبة لديّ، لكن بمسميّات متنوعة.

فيلم طويل يقطع أنفاسنا نحن الحضور، لكن البطل (السجين) جالس قربي، والإجابات على بعض التساؤلات تخفف من حجم الخوف.

اقرأ أيضاً: جدل «خمسة ونص» لم ينته..وجديده انتفاضة الممرضين!

هذا الفيلم الذي أخرجه كل من مونيكا بورغمان ولقمان سليم ليس المساهمة الوحيدة لعلي أبو دهن، رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، في كشف ظلامات السجون العربية بل سبقتها روايته “عائد من جهنم”. فهل يا ترى يعود أحد ما من جهنم؟ بالتأكيد: لا.

لكن القدر أعاد “278 معتقلا محررا”، بحسب ما أفاد أبو دهن، الذي سجن لمدة 13 عاما في سجون سورية، وهذا الرقم هو من أصل 628 لبنانياً مسجونين في سورية.

ولتخليد ذكرى هؤلاء المعتقلين، وّثق في مجموعة كتب منها “عائد من جهنم”، و”الخارجون من القبور السورية” وفيلم “تدمر” الذي صوره مع 23 معتقلاً، وأعاد تمثيل مجريات الإعتقال في مبنى مهجور في عاليه، ومثّل المعتقلون المحررون الـ23 الفيلم في استعادة تفصيلية لما جرى، دون أيّ تدخل من المخرج او المُعد.

هذا الفيلم الذي جمع هؤلاء أظهر نوعاً ما بعض لطافة السجّان السوري الرسمي، نظرا لما كُتب عن أصناف التعذيب في السجون السورية.

التمثيل غير المحترف والإنتاج التوثيقي البعيد عن القصة او الرواية او السيناريو، بمعنى الفقر الفني يُبَرَر بتوثيقية الأعمال العنفيّة التي مورست ولا تزال إلى اليوم بحق السجناء والمعتقلين. لكن العمل الإيجابي ان المحررين عادوا ليرووا ما جرى معهم.

فهل نشهد روايات عن بقية السجون العربية، وأولها اللبنانية؟

العمل المثابر لـ”أمم للتوثيق” المدعوم من مؤسسة “هاينيريش بول” الألمانية، يدفع للسؤال عن سرّ اهتمام مؤسسات أوروبية بمسألة وطنية غابت عنها المؤسسات المحلية اللبنانية. علماً أن الإضاءة عليها لم تكن لتتم لولا جرأة جمعية “أمم للتوثيق” التي حضّرت بشكل جاد في هذا العالم الفارغ نسبيّا في لبنان توثيقياً.

اقرأ أيضاً: قراءة في دنيا محمد شامل… هيك عالماشي!

ويبقى السؤال هل إن عرضه في مناطق محايدة من بيروت يُقفل الباب على الحديث عن هذه المُعتقلات التي يخاف الكثير من اللبنانين التحدّث حولها علنا بسبب الرعب الذي تتركه المخابرات السورية وغيرها في لبنان.

فهل هو قدر العرب، المعاناة المزدوجة: الأولى من عدو رابض على الحدود، والثانية من نظام جاثم على قلوب شعبه بقوة البطش. ان يُساق رجال وشباب متنوعيّ المشارب السياسية، والأعمار، والمناطق، والإنتماء الديني الى بلد جار، ومحاسبتهم على خياراتهم السياسية- التي إن كانت خاطئة فمن حق بلدهم محاسبتهم- ولسنوات في جحيم قد لا يتصوره عقل. وكان المعتقل مصطفى خليفة قد وثّق هذا العنف الرسمي المخبّأ في دهاليز هي أشبه بالقبور. لدرجة كان الموت أمنية السجناء. وكان التوثيق عملا بطوليّا في زمن الوجود السوري العسكري قبيل العام 2005.

آخر تحديث: 19 يونيو، 2019 12:05 م

مقالات تهمك >>