هل تنجح أميركا بإمرار «صفقة قرن» برّ- مائية بين لبنان وإسرائيل؟

كان العالم بأسْره على أعصابه، يحْبس أنفاسَه على وقع غليانٍ غير مسبوقٍ في المنطقةِ القابلةِ للاشتعال بأيِّ رصاصةٍ طائشةٍ أو خطوةٍ غير محسوبة مع بلوغِ المواجهة الأميركية - الإيرانية في بحر المتوسط وبره شفا حربٍ عسكريةٍ شاملة، حين دهمتْ وعلى نحوٍ مفاجئٍ و«عكْس السير» هبّةٌ باردةٌ الجبهةَ المسكونةَ بحربٍ مؤجلةٍ بين إسرائيل و«حزب الله»، فتَقَرَّر التفاهم وبـ«الأحرف الأولى» على الشروع في مفاوضاتٍ بين بيروت وتل أبيب برعاية الأمم المتحدة وبمشاركةٍ أميركية على طاولةٍ، فوقها خرائط النزاع الحدودي البر - مائي وبلوكات النفط والتلال الأمنية وملاءمة خطوط الترسيم للخطوط الزرق والحمر وإمكان زحزحة الجغرافيا بتبادُل الأراضي فوق الأرض وفي قاع البحر. أما تحت الطاولة فستُحشر المنطقةُ برمّتها، قوسُ أزماتِها وحروبُها بالوكالة وصفقاتها ومعها فوهاتٌ مفتوحةٌ وفائضٌ مناوراتٍ وعمليات كسْب وقت و... كسْب جولات.
ولم يكن عابراً أنه وبالتزامن مع قرْع طبول الحرب وقرقعةِ سلاحها وحشْدِ ما أمكن لردْعها وتَطايُر رسائلها بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين إيران وأذرعها وخلاياها النائمة، الإعلانُ المباغتُ عما يشبه إخراجَ الجبهة بين إسرائيل و«حزب الله» من الخدمة بِتَراجُعِهما المتوازي وعلى نحوٍ مثيرٍ خطوةً إلى الوراء عبر كوّةٍ أَحْدَثَتْها الديبلوماسيةُ الأميركيةُ المكوكيةُ أتيح العبورُ منها إلى هنْدسةِ مشروعٍ تَفاوُضي لبناني – إسرائيلي بمشاركةِ الوسيط الأميركي، الذي لم يكن يريده «حزب الله»، وبرعايةِ الأمم المتحدة التي لم تكن ترغب بها إسرائيل، عنوانُه إنهاءُ النزاع الحدودي البري – البحري، وغايتُه المعلَنة التوصل إلى اتفاق في شأن المنطقة النفطية في البحر على النحو الذي يضْمن قيامَ بيئةٍ آمنة للتنقيب الذي باشرتْه إسرائيل «بقلقٍ» ولا يريد لبنان تضييع المزيد من الوقت لبدئه.
فالإدارةُ الأميركيةُ المنْخرطةُ في أوسعِ عمليةٍ لـ«نزْع أنيابِ» إيران (النووي والبالستي) وشلّ أذْرعها كـ«حزب الله» للإجهاز على مشروعها الامبراطوري، انتدبتْ في عزّ الأجواء التي توحي بأن المنطقة قاب قوسين من المواجهة الكبرى، ديبلوماسياً عريقاً يعرف لبنان «عن ظهْر قلْب» للعب دور الوسيط بين بيروت وتل أبيب، هو مساعِد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، الذي استكمل مهمةً كان بدأها العام 2012 فردريك هوف ودَخَل على خطها العام 2014 آموس هوكشتين، وها هو ينجح في إحداث خرْقٍ جَعَلَ بيروت، المصابة بكآبةٍ سياسية من شدةِ أهوال مأزقها الاقتصادي – المالي، تبتسم في استقبالها ووداعها لساترفيلد، الذي قام أخيراً بثلاث جولات مكوكية بين لبنان وإسرائيل في غضون نحو شهر و… الحبل على الجرار.
ما حقّقه ساترفيلد حتى الآن يمكن اختصارُه على النحو الآتي:
• إقرار بيروت، وبعد عنادٍ، بديمومةِ الدور الأميركي كوسيطٍ قادرٍ على ردْم الهوة بين الموقفيْن اللبناني والإسرائيلي وتأمين الضمانةِ لأي اتفاقٍ بين الجانبين، وخصوصاً أن الولايات المتحدة الحريصة على مصلحة إسرائيل، حريصةٌ في الوقت عينه على الاستقرار في لبنان وتمكينه من الإفادة من ثرواته للحيلولة دون تفاقم مأزقه المالي – الاقتصادي، والأكيد أنها معنيةٌ بنزْع أي ذرائع لـ«حزب الله» لجعْل النزاع النفطي مدْخلاً للتفجير.
• إقناع إسرائيل بالموافقة على طلب لبنان رعاية الأمم المتحدة لمفاوضات ترسيم الحدود عبر تطوير عمل اللجنة الثلاثية القائمة حالياً واستناداً إلى القرار 1701، وهي تضمّ ضباطاً أمميين ولبنانيين وإسرائيليين ومهمّتُها النظر بالنقاط المتنازَع عليها على الحدود البرية، وتمكينها تالياً من العمل على رسم خطٍّ أزرق بحري بعد موافقةٍ من الأمم المتحدة، على أن تحْضر الولايات المتحدة على طاولة تلك المفاوضات غير المباشرة كوسيطٍ للوصول إلى اتفاقٍ نهائي وكضامِنٍ لتنفيذه.
• عدم ممانعة إسرائيل تَلازُم التفاوض على ترسيم الحدود البرية والبحرية معاً، وهو ما طالب به لبنان الذي يرى أن نقطة انطلاق الحدود بشقيْها البري والبحري واحدة، هي صخرة «بي -1» في رأس الناقورة الممهورة بعلامةٍ حدودية تعود إلى إتفاق الهدنة العام 1949، ومن شأن اعتمادها تمكين لبنان من الفوز بكاملِ المنطقة الاقتصادية التي تعود إليه حسب القوانين الدولية، غير أن من غير الواضح إذا كانت إسرائيل، التي وافقتْ على التفاوض، سلّمتْ تماماً بالتلازُم بين البري والبحري أم أن موقفها ما زال ينطوي على «تفاصيل تسْكنها الشياطين» التي ربما تكون على صلة بـ«المفاوضات السبّاقة» لترتيب إطار «التفاوض على الطاولة» وسلّته المتكاملة.
لم يكن تجديدُ لبنان التفويضَ للولايات المتحدة للقيام بدور الوسيط مع إسرائيل مجرد تطوّر تلقائي، وخصوصاً أن واشنطن عهدت بالملف إلى ساترفيلد المحكومِ بعلاقةِ «ودٍّ مفقودٍ» مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي حاصَر أنصارُه يوم كان رئيساً للحكومة العسكرية الانتقالية العام 1989 السفارةَ الأميركية في بيروت على غرار حصار سفارة الولايات المتحدة في إيران العام 1979. وحينها كان ساترفيلد مستشاراً سياسياً وسكرتيراً ثالثاً فاتَخذ قراراً على عجل بقفلِ سفارة بلاده في العاصمة اللبنانية ونقْل طواقمها إلى قبرص، قبل أن يرفض في العام 2003 استقبال عون خلال زيارته لواشنطن أيام التحضير لـ«قانون محاسبة سورية».
وثمة معلوماتٌ عن أن الرئيس عون، «المَشْرقي الهوى» الذي لا يرتاح في العلاقة مع الغرب، قام بعمليةِ جسِّ نبْضٍ لإمكانِ اضطلاع روسيا بدور الوسيط لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل انطلاقاً من العلاقة الوثيقة التي تربط موسكو بكل من تل أبيب وبيروت، رغم النصيحة التي أسداها له «حزب الله» – الذي لا يأتمن الجانب الروسي انطلاقاً من التجربة في سورية – بأنه سيكون من الصعب التوصل إلى نتيجة في هذا الاتجاه. وهو ما حصل فعلاً رغم فائض الودّ الذي أبداه عون للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين طالبه باستمرار دعم مسيحيي الشرق.
ومن غير المستغرب القول إن «حزب الله» كان الأكثر ارتياباً من دور الوسيط الأميركي، انطلاقاً من اعتقاده أنه «غير نزيه» ومُغالٍ في انحيازه إلى إسرائيل، لكن الأشدّ وطأة أن معاودةَ طرْحِ قضيةِ ترسيم الحدود مع إسرائيل اقترنتْ مع حركةٍ ديبلوماسية أميركيةٍ بلا قفازاتٍ في اتجاه بيروت تَرَكَّزَتْ على الضغط على «حزب الله» والعمل على محاصرته، وتولاها مارشال بيلينغسلي وديفيد هيل وساترفيلد وتوّجها وزير الخارجية مايك بومبيو الذي شنّ من بيروت الهجوم الأعنف والأكثر ضراوة على الحزب وسلوكه وعلاقته بإيران.
وفي ظل هذه الحرب الأميركية الناعمة على «حزب الله» طَرَحَتْ الدوائر القريبة منه إمكان اللجوء إلى أوروبا بديلاً عن الولايات المتحدة للتوسط في حلّ النزاع الحدودي مع إسرائيل، استناداً إلى ثلاث حقائق هي:
• ان المنطقة البحرية المتنازَع عليها تضمّ شركتين أوروبيتين من أصل ثلاث (توتال الفرنسية وإيني الإيطالية)، وتالياً فإن من مصلحة أوروبا الاضطلاع بدور التحكيم بين لبنان وإسرائيل لضمان الأمن في منطقة الثروة النفطية والغازية المتنازَع عليها.
• ان أوروبا هي الزبون الوحيد لتصريف الثروة الدفينة في المناطق البحرية للبنان وإسرائيل ومصر والفلسطينيين، والتي تقدَّر بنحو 22 مليار متر مكعب من الغاز ومليار برميل من النفط، ما يجعل أوروبا صاحبةَ نفوذ قوي في هذا الملف الذي لم تُبْدِ حياله الاهتمام الكافي حتى الآن.
• ان دولاً أوروبية، كفرنسا وألمانيا، أثبتتْ أنها أقل انحيازاً من الولايات المتحدة في مقاربةِ ملفات الشرق الأوسط، ومنها الوضع في سورية والموقف من الملف النووي الإيراني، الذي مزّقتْه واشنطن واهتمّت أوروبا بالبحث عن وسائل لاستمرار تعويمه.
ولم تحظ هذه «الفكرة» بأيّ فرصةٍ. إذ لا تكفي الرغبة اللبنانية للاتيان بإسرائيل إلى طاولة الترسيم، فيما لا تملك أوروبا لا الترف في منافسة الولايات المتحدة ولا القدرة أيضاً… وهكذا سَقَطَ الخيار الروسي الذي عمل من أجله عون، ولم يُكتب النجاحُ للخيار الأوروبي الذي نُسِب إلى «حزب الله»، ولم يَعُدْ في الميْدان سوى الولايات المتحدة.
وثمة مَن يعتقد في بيروت أن هذه الوقائع غير كافية لفهْم الدوافع التي أَمْلَتْ على «حزب الله» إطفاء محركاته والتسليم بالوساطة الأميركية والتعاطي معها على نحو إيجابي في ظل بلوغ الهجمة الأميركية عليه وعلى إيران ذروتَها عبر عقوباتٍ تزداد صرامة لتجفيف تمويله على قاعدة «صفر دولار»، ووضْع الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب ومن ثم الانتقال بالعقوبات على إيران إلى «صفر تصدير للنفط».
فالمرونةُ المفاجئة في موقف «حزب الله» عبر فتْحه الطريق أمام تطوّرٍ مزدوج «ما فوق عادي» في دلالاته وتوقيته تجلّى في الموافقة على التفاوض مع إسرائيل – العدو وبوساطة الأميركيّ – المُنْحاز، أثارتْ شهيةَ «التنقيب» عن الأسباب الموجبة التي دفعتْ حزباً إقليمياً، يشكل رأسَ حربةِ المشروع الإيراني في المنطقة ويحلو التعاطي معه كـ«عقلٍ استراتيجي»، إلى الجلوسِ على المَقاعد الخلفية في مفاوضاتٍ لبنانية – إسرائيلية تتطلّب في أبعادها الاعتراف ولو الضمني بحدود «دولة إسرائيل».
تأويلاتٌ واجتهاداتٌ ومُقارَباتٌ وتحليلاتٌ انصبّت على قراءةِ موقفِ «حزب الله» وراوحتْ على النحو الآتي:
• حرْص «حزب الله، الذي ازداد انخراطُه في الدولة ومؤسساتها إلى الحدّ الذي ولّد انطباعاً بأنه يديرها بـ«وهجه»، على تسهيلِ عملية التفاوض لتمكين لبنان، المترنّحِ على حافةِ هاويةٍ اقتصادية – مالية، من تعويض التأخير في عملية استخراج النفط والغاز في المنطقة المتنازَع عليها مع إسرائيل، وتَفادي اتهامه بحرمان البلاد من تلك العائدات لتَمَسُّكه بمعادلة «كل شيء أو لا شيء»، وتالياً فإن دوافعَه بحت اقتصادية ومئة في المئة.
• الاعتقاد بأن«حزب الله»، الذي يتوقّع حرباً لا يريدها لِما ستُلْحِقُهُ من أضرار مدمّرةٍ ليس على بنيته فحسب بل على بيئته وعلى ما أنجزه من مكانةٍ مرموقة في إدارة البلاد عبر إمساكه بالتوازنات، يرى أن حلّ النزاع الحدودي مع إسرائيل عبر انخراط لبنان في مفاوضاتٍ ربما تكون مديدة من شأنه إبعاد شبحِ حربٍ غالباً ما كان يقال عنها إنها ستكون على طريقة «يا قاتل يا مقتول».
• تَبَدُّل أولويات «حزب الله» بانتقاله من «مقاومة ضدّ العدو الإسرائيلي» إلى ذراعٍ طويلة في المشروع الإيراني، وهو ما تجلّى في الاتكاء على القرار 1701 وانتشار«اليونيفيل» المعزَّزة في العام 2006 لإدارة الظهر لإسرائيل وتصويب بندقيّته نحو الداخل اللبناني أولاً في 7 مايو 2008 لكسْر التوازنات السياسية، قبل أن يتحوّل إلى «جيشٍ» عابرٍ للحدود يُقاتِلُ تحت الراية الإيرانية في شمال العالم العربي، (سورية، العراق، إضافة إلى لبنان)، وهو الآن يمهّد للانخراط في المواجهة ضد جنوبه (الخليج) ما يجعل مفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل فرصةً لـ«إراحته».
ومهما قيل عن دوافع «حزب الله» الفعلية أو الافتراضية لتسهيل التفاوض مع إسرائيل برعايةٍ أميركية، فإن السؤال الأهمّ والأكثر إثارة هو عن مغزى تسليم إسرائيل بالمَطالب اللبنانية تمهيداً للانتقال إلى الطاولة المثلثة الضلع، وخصوصاً أن مَن يدقق في مجريات البريد المتنقّل بين بيروت وتل أبيب عبر الحركة المكوكية لساترفيلد يكتشف تقديمها ثلاثة تنازلات تمثّلت في الموافقة على رعاية الأمم المتحدة للمفاوضات، وتسليمها الذي لا مفرّ منه بتلازُم ترسيم الحدود البرية والبحرية، وقبولها بتَجاوُز ما يُعرف بـ«خط هوف» الذي يحرم لبنان نحو 360 كيلومتراً مربّعاً من المنطقة الاقتصادية الخالصة العائدة له.
وفي قراءةٍ لهذا التحوّل الإسرائيلي الذي أشاع أجواء إيجابية في بيروت، توقّفت دوائر مراقبة عند التقديرات الآتية:
• رغبة إسرائيل بتعزيز حال المهادنة مع «حزب الله» وتحصينها بالتفاوض وجهاً لوجه مع لبنان في اللحظةِ التي تحتاج تل أبيب إلى «التفرّغ» لمواكبة مشروع السلام الأميركي في شأن القضية الفلسطينية المعروف بـ«صفقة القرن»، وتسريعها الخطى نحو إرساء حدودها على الجبهات كافة مع «نقْلها فلسطين» من مكان إلى مكان.
• إبداء إسرائيل مرونة متعمّدة وكأنها تريد إخراج لبنان وإخراج الجبهة معه «من العمل» تجنباً لاستخدامها منصةَ للرسائل الإيرانية، وخصوصاً أن تل أبيب بدت كمَن ينأى بنفسه عن المواجهة الأميركية – الإيرانية لحظة بلوغ ذروتها بعدما كانت تصبّ الزيت على النار. ومَن يراقب مواقف المسؤولين فيها أخيراً يكتشف كيف أطفأت محرّكاتها وتصرّفتْ على أنها غير معنية.
والأهمّ في هذا السياق، بحسب الدوائر المراقبة، أن استجابة إسرائيل المفاجئة لمَطالب لبنان هي أشبه بـ«يقظة غير برئية»، وتنطوي على تبدل تكتيكي في أدائها يؤشر إلى أنها باشرتْ العمل على نزْع الذرائع من أمام «حزب الله» وسلاحه على جبهة جنوب لبنان بعدما نجحتْ في قفْل جبهة جنوب سورية بوجهه.
وفي اعتقاد هذه الدوائر أن لبنان الذي باشر بطلب ضماناتٍ من إسرائيل عبر ساترفيلد سيُطالَب بضماناتٍ مماثلة من إسرائيل، وهو ما بدأ التحوّط له في بيروت وعبّر عنه علنية كلامٌ نٌقل عن رئيس البرلمان، شريك «حزب الله» في الثنائية الشيعية، نبيه بري عَكَسَ مخاوف من قطب مخفية لربْط مصير سلاح «حزب الله» بالمفاوضات.
وسادتْ في بيروت مع الجولة الجديدة من المباحثات التي أجراها ساترفيلد اول من أمس مع كبار المسؤولين اللبنانيين أجواء راوحتْ بين الإيجابية والحذَر، وربما تصبح أكثر وضوحاً مع انتظارِ إجاباتٍ من الوسيط الأميركي الذي تَقرَّر أن يهاتِف إسرائيل أو يزورها من جديد.

الورقة اللبنانية… 6 نقاط «صامِدة»

عُلم من مصادر مواكبة لعملية «الأخذ والردّ» بين الجانبيْن اللبناني والإسرائيلي عبر وساطة ديفيد ساترفيلد، أن الورقة اللبنانية التي شكلت أساساً لهذه الورشة تضمّنت 6 نقاط هي:
● تَلازُم ترسيم الحدود البرية والحدود البحرية وعدم الفصل بينهما، وخصوصاً أن نقطة انطلاق الحدود البرية في حد ذاتها هي نقطةُ انطلاقٍ للحدود البحرية.
● أن يكون التفاوض برعاية الأمم المتحدة وبحضور المفاوض الأميركي، على أن تتولى الأمم المتحدة تدوين المَحاضر.
● أن يكون الأساس والمرجع في التفاوض القوانين والأعراف الدولية ذات الصلة بالموضوع، وهو ما قد يفترض الاستعانة بخبراء تقنيين وقانونيين.
● أن يقبل كل جانب بتعديل حدوده البحرية بعد الانتهاء من التفاوض مباشرة وإبلاغ الأمم المتحدة بها، وفق الخرائط المتفَق عليها.
● أن يكون التفاوض مستمراً للوصول الى الحلّ النهائي على ألا يُحدّد بفترة زمنية وألا يكون مجرّد إضاعة للوقت أو لتمرير أمرٍ واقعٍ معيّن.
● أن يؤدي هذا الحل لوضع آلية محدّدة لاستخراج الثروة النفطية من الحقول المشترَكة في حال وجودها بالقرب من الحدود البحرية الجنوبية.

من هوف إلى ساترفيلد خطٌّ شائكٌ و… شكوك

تعود حكاية «إبريق النفط» اللبنانية التي وَضَعَتْ ملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص وإسرائيل وسورية على النار إلى العام 2007، وأوّل الغيث كان ترسيم الحدود مع قبرص عبر خطّ موقت لم يَخْلُ من الارتباك لأسباب تقنية قبل أن يصار إلى تصويب الأمر.
لكن الفصول الأكثر إثارة في مسار هذا الملف بدأتْ مع ترسيم إسرائيل حدودها البحرية مع لبنان من جانبٍ واحد وإيداعها خرائطها الأمم المتحدة في يوليو 2011 استناداً إلى الخط الموقت بين لبنان وقبرص ونقطة ارتكازه.
بعد هذا التطور، عاود لبنان في أكتوبر 2011 رسْم حدوده البحرية مع قبرص وإسرائيل وسورية عبر مرسوم تضمّن الإحداثيات التي اعتمدها، فتبيّن أن الترسيم الإسرائيلي استولى على 860 كيلومتراً مربّعاً عائدة للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.
وفي العام 2012 باشرت الولايات المتحدة وساطةً بين بيروت وتل أبيب تولّاها الديبلوماسي فريدريك هوف، الذي اقترح تَقاسُم المنطقة المتنازع عليها عبر حصول لبنان على 500 كيلومتر مربع وإسرائيل على 360، وهو ما عُرف لاحقاً بـ«خط هوف» الذي رَفَضَه لبنان.
في العام 2014 تولّى الموفد الأميركي آموس هوكشتين المهمّة عن هوف، وتقدّم بمسودة اقتراح يعطي لبنان 600 كيلومتر مربع من المنطقة المتنازع عليها، لكن وساطته تعطّلت مع انتهاء ولاية الرئيس باراك أوباما.
بين عاميْ 2014 و 2019 دخل ملف الترسيم البحري غيبوبةً طويلة، باشرتْ خلالها إسرائيل عملية الحفر في حقل «كاريش»، وهو على تماس مع الحدود اللبنانية وربما يكون متداخِلاً مع الحقول اللبنانية.
وارتبطتْ معاودة تعويم الوساطة الأميركية في 2019 عبر ديفيد ساترفيلد مع حاجة إسرائيل ولبنان إلى استقرار يتيح للشركات الكبرى الاستثمار في مناخ آمِن، فإسرائيل ترغب بمواصلة الحفر واستخراج الغاز والنفط من دون عواقب أو أخطار مستقبلية، في حين أن لبنان سيباشر عملية الحفر عبر «توتال» الفرنسية في الحقل رقم 4 في الفصل الأخير من هذا العام على أن يبدأ العمل في البلوك رقم 9 المتنازَع عليه في العام 2020.

طاولة الناقورة إلى حُلّة جديدة

تتركّز المناقشات التي يجريها ديفيد ساترفيلد في بيروت وتل أبيب على وضع اللمسات الأخيرة على الحلّة الجديدة لطاولة المفاوضات في الناقورة، البلدة اللبنانية التي تحوّلت «عاصمة» للقوة الدولية العاملة في الجنوب منذ العام 1978.
فهذه الطاولة استضافت اجتماعات اللجنة الثلاثية (الأممية، اللبنانية والإسرائيلية) لحل مشكلة النقاط المتنازَع عليها في البر بعد ترسيم الخط الأزرق، ولمعالجة قضايا طارئة تتعلّق بالأمن على الحدود.
الطرفان اللبناني والإسرائيلي يجلسان في غرفة واحدة وعلى الطاولة عيْنها، وبينهما قائد قوة «اليونيفيل»، لا يتبادَلان النقاشات مباشرةً (فالمفاوضات غير مباشرة). كل طرف يتوجّه بالكلام للجنرال الأممي فيتلقى الردّ من الطرف الآخر وهكذا دواليك.
ومن المنتظر أن تشهد الطاولة تعديلات جوهرية، أهمّها حلول ضيف جديد، هو الوسيط الأميركي، وتوكيله المناقشات حول النزاع البحري، إضافة الى البري وتدوينها المَحاضر وتأمينها الإحاطة اللوجستية، وربما تَوسُّع نطاقها بانضمام خبراء وديبلوماسيين بعدما كانت تقتصر على الجنرالات.

آخر تحديث: 30 مايو، 2019 12:07 م

مقالات تهمك >>