«صفقة القرن» الغبية: تعريف جديد لـ«حل الدولتين»؟

يبدو أن مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد بدأوا، فعلاً وقولاً، عملية “التسويق” والتمهيد لصفقة القرن عبر تكثيف تصريحاتهم الإعلامية بشأنها خلال الأيام الأخيرة، مع التلميح إلى إعلانها بعد شهر رمضان، أي في يونيو/حزيران القادم.

فما أن صرح جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمبركي وكبير مستشاريه قبل يومين أن ساعة الصفر لإعلانها ستكون بعد شهر ونصف الشهر، لم ينتظر مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلانت، سوى يوم واحد حتى يخرج بتصريح، حذر فيه الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من مغبة رفض الصفقة وعدم التفاعل معها والذهاب إلى التفاوض حولها، وإلا سيخسرون “فرصة عظيمة”.

الواضح أن كوشنر استخدم جملة مثيرة للتساؤلات؛ ألا وهي ” كل طرف يفهم مبدأ حل الدولتين بصورة مغايرة، وانه لا طائل من استخدام مصطلح لم يؤد ابدا الى تحقيق السلام”.

وكأن كوشنر يحاول أن يقول إن الصفقة المرتقبة تعيد تعريف “حل الدولتين” من جديد، ليس كما يفهمه الفلسطينيون ولا الإسرائيليون.. ولكن، هل يعني ذلك أنها ستعتمد على مبدأ “خلق كيانات فلسطينية مُندمجة مع أخرى إسرائيلية، كل حسب موقعها؟ ما يعني تبادلَ أراضٍ؟

اقرأ أيضاً: صفقة القرن.. الوقت لتغيير الفكر

لعل ما قاله غرينبلانت في هذا السياق محاولة لتفسير جملة سابقة ذات صلة صدرت من فم كوشنر، قبل أكثر من شهر، حينما قال “إنها سترسم الحدود، ولكنها ستتجاوز الحدود!”.

لو نظرنا إلى أحدث توقيت أميركي لإعلان الصفقة، فإنه يدل على أن الحسابات الأميركية بشأن الصفقة مبنية على الظروف الإسرائيلية في كل شيء، حتى في ما يتعلق بموعدها. فملعومات “المدن” تشير إلى أن هناك نقاشاً جرى في الأسابيع الثلاثة الأخيرة داخل أروقة الإدارة الأميركية؛ مفاده “هل تعلن الخطة بالتزامن مع مفاوضات بنيامين نتنياهو مع أحزاب اليمين لشكيل الحكومة الجديدة التي يرأسها.. أم بعد تشكيلها؟”.

ثم حُسم القرار الأميركي بأن تعلن بعد التشكيل الحكومي بناء على طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، على الرغم من وجود رؤية لدى بعض أقطاب الإدارة الاميركية، قائمة على أن طرح الخطة أثناء مفاوضات نتنياهو لتشكيل حكومته ستؤثر باتجاه جلب وزراء يوافقون على الصفقة.

نتنياهو لا يقلق كثيراً من الصفقة الأميركية لأن مضمونها مرفوض من الطرف الفلسطيني سلفاً، وهو ليس بحاجة لحكومة سلام. ولهذا، كشف مصدر سياسي فلسطيني لـ”المدن” إنه قدم نصحاً لرأس القيادة الفلسطينية على مدار الأشهر الأخيرة، أن لا تقول “لا، بشكل مطلق للصفقة”، وإنما بصيغة “نعم، ولكن..أي موقف فلسطيني فيه تحفظات” كي لا يجعل أي رفض استباقي من قبل السلطة الفلسطينية للصفقة، اسرائيل ترقص فرحاً وتترك الساحة لترامب ونتنياهو.

ويقر هذا المصدر أن سر تفجر العلاقة الأميركية-الفلسطينية بشكل مبكر وقبل قرار ترامب بشأن القدس، هو غضب رئيس السلطة محمود عباس من التقاء المسؤولين الأميركيين، شبانا فلسطينيين في القدس، لاستطلاع آرائهم حول “حل الدولتين” وتقييمهم لحكم السلطة منذ إنشائها.

والحقيقة أن غضب عباس من ذلك من منطلق أنه تجاوز للشرعية الفلسطينية الممثلة بـ”منظمة التحرير”، ثم ازداد غضباً بسبب لقاءات أميركية مع قيادة حركة “حماس”. فثمة حساسية وعصبية شديدتين من قبل قيادة السلطة من أي لقاءات تتجاوزها وتستثنيها، خاصة في ظل الصراع على خلافة محمود عباس بعد شغور مفاجئ لمنصب “رئاسة السلطة”.

على الرغم مما تنشره صحف أميركية وإسرائيلية عما تقول إنها مضامين صفقة القرن، إلا أن أحداً لا يعرف التفاصيل قبل إعلانها. وينفي مستشارو ترامب صحة ما ينشر حول مضامينها، بخصوص منح أراضٍ من سيناء لقطاع غزة، باعتبارها مركز الدولة الفلسطينية. ويصف غرينبلانت هذا الكلام بـ”الكاذب”.

والواقع أن ما ينشر يعكس مضامين “غبية” ستفجر الصفقة لمجرد إعلانها، حسب تعبير مصادر مطلعة لـ”المدن”، فتوضح أنها ستكون أمنية وإقتصادية، مع ضبابية في ما يخص الحل السياسي. ويعني هذا انها ستكون “خبيثة”، وتقول إن حسم النقاط السياسية يجب أن يكون على طاولة التفاوض.

بيدَ أن الشق الإقتصادي والأمني من الصفقة سيكرس الواقع من جهة ويمهد بشكل ما لطبيعة الحل المستقبلي. فالصفقة الأمريكية تبني مقترحاتها على الواقع الموجود للحل، وليس كما تنص الشرعية الدولية.

وبتفصيل أدق، كشف مصدر لـ”المدن” أنه اطلع على بنود رؤية دولية سياسية “سرية” تمت صياغتها في السنوات الأخيرة، مفادها “إقامة مناطق صناعية في الجهة المصرية القريبة من حدود غزة، لتشغيل سكان القطاع وسيناء وإقامة أماكن سكن للعمال في تلك المنطقة”.

وإذا ما تعمقنا في هذا البند من الرؤية السرية، فهي الدعوة الذكية لإستخدام جزء من سيناء لتوسيع غزة، ومن دون أن يشعر أحد وبهدوء تام، كوسيلة لحل المشكلة الديمغرافية والإنسانية للقطاع، وخلق الكيان الفلسطيني الأكبر مساحة وسكاناً حينئذ وبعد سنوات وتدريجياً.

إلى ذلك، وضمن الجهد التسويقي الأميركي، يقول غرينبلات: “نطلب من الفلسطينيين والإسرائيليين دراسة الخطة قبل إبداء الموقف منها”. ويعتبر أنه لا يمكن لصفقة القرن وحدها إنهاء المشكلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مشيراً إلى أن القيادة الفلسطينية، برئاسة عباس، تتمسك بـ”مفاهيم قديمة لم ولن تجلب السلام أبداً”، على حد قوله.

وكان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو قد أحجم عن القول علنا بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تزال تدعم حل الدولتين للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.

وحضرت “صفقة القرن” في عناوين الصحف الإسرائيلية الصادرة، الأحد، حيث عنونت صحيفة “إسرائيل اليوم” صدر صفحتها الأولى: “العرب وصفقة القرن: اللقاء بعد رمضان”.

كما سلطت الصحيفة الضوء على تصريحات السفير الفرنسي السابق في واشنطن جيرار أرنو، والتي لخص فيها توقعاته إزاء مضامين الخطة الأميركية عبر القول “إنها قريبة مما يريده الإسرائيليون”.

واعتبرت صحيفة “إسرائيل اليوم” في سياق حديثها عن “صفقة القرن”، أن القضية الفلسطينية ليست على رأس أولويات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خاصة في ظل الاستفتاء حول تمديد ولايته حتى عام 2030، فيما ارتأت القناة “13” أن تركز على جملة قالها السفير الفرنسي السابق في واشنطن، مفادها “نتنياهو لا يحظى بشعبية في إسرائيل مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، لذلك سيتعين على الأوّل قبول صفقة القرن”.

آخر تحديث: 22 أبريل، 2019 5:51 م

مقالات تهمك >>