قصة مأساة شادي المتنقلة من إهمال لبنان إلى قسوة اللجوء وأسره

شادي هو "اسم من وطن"، هو كلنا في لبنان، شادي الهارب من دولة تقتل عند أبواب المستشفيات ومن صحّة مهملة في أروقة الوزارات، ومن عبء المعاش الذي يتوزع هنا وهناك بمأكل ومشرب وفواتير المياه والكهرباء فلا يبقى للداء والدواء سوى الديون المتراكمة.

قبل الأوّل من أيلول لم يكن أيّ منّا يعلم من هو شادي نظام كما لم نكن قد سمعنا باسمه أوحالته، ولا من هو هذا الشاب اللبناني الكامل في بلد معاق بسلطته وقواعده وحمايته لمواطنيه، إذ أنّ ما يعاني منه شادي “إصابة” وليس “إعاقة”، فالمعاق هو من كان هناك خلل في نفسه و روحه لا في الجسد المادي.

شادي الشاب المبتسم، يحمل من الألم ما فاض به، فهرب من الدولة المحدودة ليرحم أباً تراكمت عليه الديون وما عاد بمقدوره لا أن يسددها ولا أن يتابع له علاجاً في ظلّ تخلّي المعنيين.

هاجر لألمانيا بلاد الغرب والطموح، جنّة الإنسان وكرامته، ولكن حتى هناك تسقط تفاحة حواء، فتتعرى الجنّة من حقيقتها وتعود جحيماً يفوق ذلك الواقع الذي كان الهروب منه.

شادي الذي تحمّل مشقة الرحلة ومرارة اللجوء لم يتنعم طويلاً بالعلاج والكفاية، ليجد نفسه في ولاية تُعامل الغريب على أنّه دخيل فتفيض بعنصريتها وتحجب عنه العلاج.

شادي

ودولة الحضارة الشقراء المشرعة الحدود لم تكتفِ عند هذا الحد من تهميشه بل تخطت ذلك لأن تحجب عنه العودة متذرعة بالحجة تلو الأخرى، تاركة إياه يتألم مرتين، مرة لجسده ومرة لجسد أمه التي بدورها تحتاج لعملية عاجلة.

إقرأ أيضاً: «دوام الصحة» للبنانيين بعد الـ64.. ولكن ما هي العواقب؟

في ظلّ كل هذا الضيق لم يجد الشاب اللبناني إلا مواقع التواصل الاجتماعي متنفساً، فكتب قصته ومعاناته عبر صفحته فيسبوك، راجياً الموت في وطنه بعيداً عن شوك الغربة.

وجاء فيما كتبه :

“ليس كل إنسان تراه مبتسم يعني أنه سعيد.. فوراء كل ابتسامة جراح كثيرة..
منذ الحادث الذي تعرضت إليه في ٣١/٠٣/٢٠١٢ إلى هذا اليوم و لا أزال أكافح هذه الحياة الممزوجة بحلاوتها و مُرِها..أمضيت ٦ أيام في مستشفى الجامعة الأميركية ولم يعترفوا بضمان تعاونية موظفي الدولة رغم أننا أحضرنا كتاب من الوزير السابق للصحة “علي حسن خليل” غير أنهم لم يكترثوا لي و لذلك الكتاب، فكانت النتيجة ٥٦ مليون ليرة لبنانية نقداً يجب علينا دفعها تكلفت ٦ أيام؛ إن والدي الذي يعمل أستاذاً وهو بذلك ليس رجل أعمال..منذ ذلك الوقت أصبح الدّين يتراكم وأشكر الأيادي البيضاء أيضاً في مساعدتي.. عندها تم نقلي الى مستشفى أوتيل ديو حيث أكن كل الاحترام والتقدير للفريق الطبي الكبير الذي يتابعني إلى هذا الوقت.. بعد ذلك نظراً لتكاليف العلاج في لبنان وعدم قدرتي على توفير ذلك (صح معظم اللبنانيين عايشين على الدّين بس دين عن دين بيفرق) قررت وبإرادتي الشخصية كي أخفف العبئ عن أهلي لعلي أجد باباً في الخارج يُفتح أمامي للعلاج.. قررت الهجرة إلى ألمانيا و كنت أعلم أني ذاهب إلى مغامرة أعطيها صفة الذهاب إلى المجهول.. تعرضت لجلطة في قدمي وتعالجت رغم أنني لم أكن قد سجلت لجوئي بعد وكانت الامور في البداية جيدة إلى حين تم فرزي الى منطقة كيمنتس (Chemnitz) و هناك بدأت المعاناة.. إلى هذا اليوم لا علاج و لا فحوصات طبية، كما أنهم لم يكترثوا لوالدتي التي هي بحاجة لعملية في رجلها، إن المعاملة جداً سيئة عدا عن العنصرية وانعدام الشفقة والحس بالإنسانية.. بعد صمودي شهرين في برلين وفي هذه المدينة ٨ شهور سحبت لجوئي لأعود إلى وطني لأنني في مرحلة أعتبرها الموت السريري، فضلت الموت في بلدي على الموت في الغربة.. رغم الأوضاع السيئة جداً في لبنان وعدم إكتراث الدولة لشعبها.. إن الصليب الأحمر الألماني ينسق مع الشركة التي تدفع تكاليف عودة اللاجئين إلى بلادهم؛ لقد أحضرت لهم التقارير الطبية وحصلنا على موافقة من شركة طيران الشرق الأوسط غير أنهم بدأوا يقولون لي التالي: إن نقلك في الإسعاف إلى المطار يكلف؛ فتنازلت وقلت لهم: أذهب بسيارة وأرجع المقعد للخلف، علماً أن المسافة إلى المطار في السيارة تدوم ٥ ساعات وعلى الشخص أن يكون في المطار قبل ٤ ساعات كما لديك ٤ ساعات طيران لبيروت فاذا كنت جالساً كل الوقت سوف أصل ميت.. رغم ذالك فإنهم دائماً يتحججون فكان ردهم الأخير: بأن العودة تكلف كثيرآ وإن الشركة في الوقت الحالي لا تستطيع الدفع رغم أنهم لا يريدون العرب بشكل عام.. بالإضافة لأنهم يسعون بطريقة غير مباشرة لأتنازل عن جميع حقوقي ولكني لن أفعل.. ففي جميع الحالات سأصل لبنان إما إلى المستشفى لوضعي الصحي السيئ أو جثةً هامدة..
لقد قررت أن أعبر عن قليل من معاناة أمر بها في هذه الأيام على أمل أن تصل رسالتي للرأي العام ودولتي التي لا زلت أؤمن بشعبها الذي ينبض أملاً رغم كل الصعاب..
أتمنى العودة بسلام إلى أرض الوطن لا أكثر..
شكراً #ألمانيا_الإنسانية_الوهمية
المقعد شادي فؤاد قاسم نظام”.

هذه الكلمات التي كتبها شادي سرعان ما ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي، فتحوّلت غربته القسرية لقضية تدوالتها الصفحات فوسائل الإعلام، لتتدخل إحدى الجهات وتقدم له المساعدة عبر التواصل مع شركة الطيران بغية أن تحقق له حلم العودة سريعاً.

إقرأ أيضاً: هكذا كان إيماننا قبل إيمان الظلم ومصادرة الحقوق

هذا التطور في ملف شادي ترافق الكترونياً مع هاشتاغ #الخلاص_لشادي الذي سرعان ما تحوّل لترند:

https://twitter.com/NidalAlAhmadieh/status/77246022575658640

آخر تحديث: 5 سبتمبر، 2016 3:37 ص

مقالات تهمك >>