رسالة من بلاد النجاسة

يرج ايفل
هذه رسالة من بلاد النجاسة فرنسا حيث لا واجب جهادي ولا يافطات وصور متنوعة للزعماء والشعائر الدينية. هذه بلاد تعرف كيف تستفيد حتّى من القمامة بينما نحن لا نجيد إلّا تراشق التهم والتخوين. لكن من الأفضل.. نحن طبعًا؟
اعلان

أخي أكتب إليك هذه الرسالة من جوار برج ايفيل الذي لا يتميز عن برج البراجنة إلا بفارق بسيط، حيث الأول عارٍ تماماً من كل رسم ويافطة وصورة كنسائهم، والآخر أي برج البراجنة تتعذر مشاهدته أرضيا وفضائياً لكثرة المباني المحيطة به حيث تحجبه عن الناظر الماشي والطائر صوناً له من صيبة العين، ولشدة حشمته تكلل باليافطات والصور المتنوعة من رأسه إلى أخمص كرسيه مع قليل من الكيماويات حوله التي نسميها “زبالة” في أدبياتنا مسامحة في التعبير.

اكتب إليك من تحت قوس النصر في باريس الذي شيد على أيدي عصابات العلم، ومافيات العدالة الإجتماعية، وقراصنة حقوق الإنسان وزمر الديمقراطية بعد انتصارهم على رموز الجهل وصناع الفقر وارباب القمع من دون ان يسلبوا الحرية من حياة مَن كان يحميها من قساوسة وأحبار ورهبان وملوك ونبلاء وفقهاء وخلفاء ومناضلي “البروليتارية ” دكتاتورية الطبقة العاملة وفلاسفتها.

بُعداً لهم ما أظلمهم وطوبى لنا ما أعدلنا.

اكتب اليك من مجتمع بلغ الذروة في غبننا والتدليس علينا حيث لم يكتف بتحويل علب السردين الفارغة التي يسرقها من مزابلنا مع النفط إلى أجهزة تلفون خليوي، بل راح يقوم اليوم بتحويل تنكة جبنة العكاوي إلى كمبيوتر ومن ثم يبيعها في أسواقنا بأفحش الأثمان وأفدح الأسعار .

ما اقبحه من غبن وغش ويلٌ لهم من مطففين؟

اكتب إليك من مجتمع يقوم بتحويل الزبالة عنده إلى أكياس وكؤوس، إلى أباريق وفؤوس، إلى أسمدة لتغذية كرومه وحدائقه ووروده وأزهاره والفاضل منها يقايضنا به على ما تجود به آبارنا النفطية وتربتنا الغنية، سحقاً لهم ما أوسخهم وما أنظفنا!

اكتب إليك من مجتمع غريب الأطوار المحكوم فيه حاكم محاسب مهيب والحاكم فيه محكوم محاسب مرعوب، مجتمع كافر فاسق بعقيدتنا القائمة على تنزيه حكامنا وتقديس فقهائنا الذين يسألوننا عما نفعل وهم لا يسألون..

هبلتهم الهبول، ما أجهلهم وما أعلمنا؟

اكتب إليك من مجتمع وزيرهم يأكل الطعام بين الناس ويمشي في الأسواق بلا حراس ويمتطي دراجة هوائية جاهلاً ممارسة فنون تعظيم الذات وتفخيم الأنا بألفاظ التقديس وأفعال التمجييد وحركات التبجيل والاحتجاب عن الناس كشرط متفق عليه بين المتألهين الذين يشاركون الله قميص الكبرياء ورداء العظمة.

اكتب إليك من مجتمع لغاته متغايرة وأديانه كثيرة، ومذاهبه متنوعة، وأحزابه متعددة ومتنافسة وكل حزب يملك ما تملكه أحزابنا، إلا الأجهزة الأمنية وحقيبة مالية خارجية حنونة، ويختلفون أشد مما تختلف أحزابنا وأدياننا ومذاهبنا إلا انهم لا يلجأون إلى ما نلجأ إليه من تجويع وتقتيل وتكفير وتخوين دفاعاً عن الدين او الوطن او الأمة.

شحذ الله هممهم بإرادة النضال وشحن عزائمهم بروح الجهاد.

اكتب إليك من مجتمع حكامه لا يعارضون وينتقدون ويحاسبون ويرمون بالبيض الفاسد والبندورة العفنة فحسب، بل ويزعجونهم بتغييرهم وتبديلهم كل 4 أو 5 سنوات ببدعة تداول السلطة بواسطة صناديق الإقتراع، وقد جعلوا فيها فيها صوت الغني بمثابة صوت الفقير، وصوت الجاهل بمنزلة صوت العالم وصوت المرأة بمستوى صوت الرجل ببدعة أخرى يسمونها ” المساواة “. ما أقصر نظرهم وأضييق أفُقهم “نور الله عقولهم”!

أخي أكتب إليك هذه الرسالة من جوار برج ايفيل الذي لا يتميز عن برج البراجنة إلا بفارق بسيط

اكتب اليك من مجتمع لا يعرف معنى الإقامة الجبرية والنفي للمعارضة السياسية ولا يجيد جيشه اطلاق الرصاص على التظاهرات الشعبية. ولا يرمى الإنسان فيه تحت أي عنوان وراء القضبان من دون محاكمة قضائية، ولا تتقن شرطته البلهاء انتزاع الإعترافات تحت الكراسي الكهربائية، مجتمع يعتقد بأن خالق الأكوان ما أنزل الأديان إلا لسعادة الإنسان المادية والروحية وليس العكس، أي الدين في خدمة الإنسان وليس العكس. ولذلك تعاهدوا وتعاقدوا على ألا يبقى بينهم حيٌ يفتقر إلى حبة دواء، أو كتاب مدرسة، او مسكن، أو حاجة ضرورية للحياة، وأيقنوا يقينا لا حد له بأن ذلك لا يستقيم ولا يستمر إلا ببقاء ثلاثة مبادئ تجري في حياتهم كمجرى الدم في عروقهم، أولها: مبدأ المحاسبة، وثانيها : مبدأ تداول السلطة، وثالثها : حرية التعبير الفكري والسياسي، والثالث عندهم هو مبدأ المبادئ، مؤمنين بأن سيئات الحرية أقل خطراً من حسنات القمع، وأن أخطاء الحرية والإختيار أقل شراً من صواب القهر والإجبار.

هداهم الله لما اهتدينا..

أخي… لقد اشتقت إلى مجالسة روحك الطيبة لأستفز ذهنك الوقاد حتى يدر جواهر من علومه العقلية، والنقلية، والذوقية بما يساهم في إيضاح معالم الطريق للوصول إلى رضوان الله وإنعاش قلوب سفرائه الحزينة علينا ومنا. إن الغربة عن الوطن موحشة بسبب البعد عن أفقا وشلالتها، وقمم فاريا وثلوجها، والشاطئ الأزرق والضفاف الخضر التي لم نشاهدها في حياتنا إلا في كتاب الجغرافيا في مدرستنا الحكومية المجانية بسبب الفقر.

السابق
عقائد الإمامية بين الأصيل والدخيل
التالي
عيد التحرير: حزب الله يحتفل واللبنانيون يتألّمون