لماذا لا تدخل الدولة الى عرسال؟، من يمنعها اصلاً من الولوج الى قلب البلدة التي باتت تخضع لشرع “أبي محمد” أو شيخ العرافين من القلمون، الذي يتحكم بمصير عشرات من العراسلة والسوريين عبر محكمته الشرعية المتنقلة؟. ماذا إن دخلت القوى الامنية، هل تخاف معركة جديدة من عرسال، فيما لا تهاب حالات التهجير والقتل التي ينفذها المسلحون في حق المواطنين، وهل يكفي بنظرها البكاء على اطلال البلدة “المحتلة” دون البحث في الحلول؟.
لا يمكن استمرار التطلع الى بلدة عرسال على انّها تعيش وضعاً أمنياً استثنائياً، هكذا على امتداد الامتار البعيدة، فتكبر كرة من النار، تجعل كثيرين يدفعون الثمن باهظاً بحالات من التشرد والقتل والعقاب، ناهيك عن السرقة والخطف من جهة، وبقاء المنطقة محاصرة بواقع جغرافي يتنفس نيران الارهاب المسيطر على الجرود والازمة السورية من جهة اخرى. فواقع الحال يفترض الحسم، أهالي عرسال فقط يعرفون معنى هذا الكلام، أكثرهم يرددون “فلتكن معركة التحرير”، أبناؤهم يقتلون، فيما أحد لا يحرك ساكناً، هؤلاء الذين يغمزون من قنوات فرض الجيش هيبته، محقون، وخصوصاً انّ المجموعات المسلحة في الجرود أصبحت محاصرة وتخضع لطوق امني، ما يعني انّ موانع دخول الجيش الى عرسال وليس الاكتفاء بتسيير الدوريات، تقلصت، أو انّ تلك الاخبار اليومية التي يتم تداولها عن تطويق المسلحين وعمليات محاصرة الجرود والربط بين النقاط العسكرية، أخبار مبالغ فيها.
قتيلان
في أقل من اربع وعشرين ساعة يُقتل شخصان في عرسال، أولهما ذُبح على ايدي الارهابيين وكان قد خُطف في كانون الثاني المنصرم وهو يونس الحجيري، وثانيهما وُجد مقتولاً في منزله بعدة طلقات نارية. تمر الاخبار عادية، وكأنها في العراق، وهنا الخطورة في أن يتم التعاطي مع الوضع القائم في البلدة على انّه كما تلك الاخبار عادياً. في عرسال يعرفون تماماً انّه يصعب تنفيذ عملية تنظيمية تضمن توقف تلك الممارسات، والمطلوب “أن تتحرك الدولة”، يقول أحد ابنائها القابع خارجها منذ آب العام الماضي. يُعرف الاخير بعدائه للارهابيين ما يجعل الوضع أكثر خطورة، بحيث كما عدد من ابناء المنطقة لا يجرؤون على دخولها مجدداً الاّ في حال عزز الجيش من تواجده فيها. المسألة لا تحتمل التأويل، “يكفينا عمليات من النوع الاستخباراتي على غرار القاء القبض على بلال وعمر ميقاتي في طرابلس”، يتابع، “هكذا نضمن أن تنتهي الممارسات الارهابية تباعاً”، واليوم يقوم الجيش بتسيير الدوريات في البلدة تزامناً مع استمرار الطوق الامني. وحسب المواطن العراسلي، فأهالي البلدة المتواجدون خارجها يتابعون مع بعض ابنائها بما يشبه عمل اللجنة، تواصلاً مع الاجهزة الامنية للوقوف على الوضع الامني الاخير، “نعمل بطريقة غير مباشرة بما يؤدي الى نتائج تسمح بعودة الهدوء الى عرسال، ولكن ردّ الامنيين غالباً ما يكون مرتبطاً بوضع العسكريين المخطوفين في جرود عرسال” يتابع. ويستشهد بعض اهالي القرية بحادثة مقتل علي عز الدين والثأر له، ذلك ما اعطى معنويات للاهالي الذين يتخوفون من معركة مرتقبة ستتزامن مع الاستعداد لحرب الربيع، وخصوصاً انّ الجيش السوري أصبح في موقع يسمح له بالتخلص من خاصرته الرخوة التي تشكلها تلك الجرود.
ضغط النصرة
وعلى صعيد متصل تشير المعلومات الخاصة الى انّ الاسباب التي تقف وراء مقتل خالد الحجيري الذي وُجد مقتولاً في منزله أمس الاول، تعود الى عملية تصفية حسابات وضغط من قبل “جبهة النصرة” تمارسه على رئيس بلدية عرسال علي الحجيري. فالضحية هو قريب رئيس البلدية، وما قامت به “النصرة” هو ارسال رسالة مبطنة الى الحجيري لتجبره البقاء تحت سيطرتها، خصوصاً انّ معلومات تتردد عن نية علي الحجيري بالسفر وأولاده خارجاً. “البلد” اتصلت برئيس البلدية الذي أكد قرابته والضحية خالد، بينما رجح اسباب الوفاة الى الانتحار، “الشاب ثلاثيني وربما انتحر بسبب علاقة عاطفية”، اسباب شخصية ايضاً أدت الى مقتل يونس الحجيري حسبما اشار اليه رئيس البلدية، وكل ما سبقها من حالات قتل يريد الحجيري ايعازها الى الاسباب الشخصية، ربما كان محقاً عندما أجاب عن سؤال متعلق عن الحلول المطلوبة “لا يمكنني أن أضع نفسي مكان رئيس الحكومة او قائد الجيش، فلتدخل الدولة الى البلدة ولتقم بما تجده مناسباً”. يحاول الحجيري اظهار الوضع “طبيعياً”، في عرسال، يتحدث عن المشاكل الشخصية، وعن تفاقم حالات السرقة المتعمدة من قبل عراسلة، نافياً تسلل المسلحين من الجرود الى داخل البلدة، وعن وضع العراسلة الذين هجروا بلدتهم منذ احداث آب والذين لم يعودوا اليها لغايته، يقول “من يمنعهم من العودة، هؤلاء يحاولون خلق هالة لانفسهم من خلال تشويه صورة البلدة، فليعودوا ساعة ما شاؤوا، وانا لا استطيع أن أتحمل مسؤولية كل ما يحصل منفرداً”.
شيخ القلمون
وفي ما يتعلق بالشيخ أبي محمد، يشير الحجيري الى انّه “شيخ شرعي” لا ينتمي لاي من المجموعات المسلحة، يحتكم اليه بعض السوريين طلباً لحلول لها علاقة بمشاكلهم الصغيرة. هكذا يظهر الحجيري الصورة، وابو محمد من القلمون، وهو من المشايخ الذين لهم سلطة على المحكمة الشرعية الموجودة حالياً في عرسال والتي أصبحت متنقلة بعد أن كانت تستقر في مبنى قديم كانت البلدية تستأجره، ويقوم باصدار الاحكام “الشرعية” في حق العراسلة والسوريين على حد سواء، خلافاً لما حاول الحجيري الاشارة اليه بأنّه شيخ يحل المشاكل العالقة بين نساء القرية. هكذا لا يجد الشيخ الفرعون من يردعه، فيعيث فساداً في البلدة التي يحاول البعض أخذ نظامها الى حكم شريعة “داعش”، وقد نجحوا مرات كثيرة في اصدار احكام وعقوبات بحق عراسلة، كانت أعظم تهمها تناول الكحول.
لم تستطع الدولة الحضور بثقل مؤسساتها ان تفرض حضورها في البلدة، فاستباح الارهابيون الارض كما كرامات المواطنين الذين وجدوا انفسهم مؤخراً رهينة لتنظيمات تقتل وتخطف وتستبيح الاعراض، فيما لا خطة امنية لساعتها تعيد للعراسلة بلدتهم المخطوفة بحكم الارهاب.
(البلد)

