مخاض الديموقراطيّة في العالم العربيّ

طوال عقد ونيّف من الزمن، عرف العالم العربيّ فرصتَين ديموقراطيّتين أفضتا إلى نتائج مأسويّة: فرصة أولى أتت من الخارج، وثانية نتجت من انتفاضات داخليّة. فهل من مستقبل للديموقراطيّة في هذه المنطقة من العالم؟ لعلّ قراءة نقديّة للفرصتَين تساهم في الإضاءة على الجواب.

كانت الفرصة الأولى مع “مبادرة الشّرق الأوسط الكبير” في تشرين الثاني 2003، والتي أطلقتها إدارة الرئيس جورج بوش الابن، وأرادتها أن تكون “استراتيجيّة مقدامة لتحقيق الحريّة في الشرق الأوسط”، تتضمّن نشر الديموقراطيّة وتطوير الاقتصاد في تلك المنطقة من العالم. غير أنّها انطوت على تناقضات بسبب عدم الوضوح الذي ساد الإدارة الأميركيّة نفسها لجهة الأهداف المطلوبة، فضلاً عن تعقيدات الساحة الشرق الأوسطيّة التي ساهمت في زيادة الغموض.
فمبادرة الشرق الأوسط الكبير بدت أوّلاً تكملة “لمبادرة الشراكة الأميركيّة الشرق الأوسطيّة” التي أُعلنت عام 2002، وتضمّنت مشاريع اقتصاديّة وتربويّة وسياسيّة، وأخرى تتّصل بحقوق المرأة ومحو الأميّة. ولكنّ نفوذ تيّار المحافظين الجدد كان هائلاً في الإدارة الأميركيّة حينذاك، وصبّ توجّهه في مصلحة العولمة الاقتصاديّة ترافقها عولمة عسكريّة أميركيّة. وهذا جعل المبادرة إزاء هدفَين لا يمكن أن ينسجما: المصالح الاقتصاديّة، وبناء مجتمعات مدنيّة ونشر الديموقراطيّة.
وقد برز التناقض هذا بوجه خاصّ في تحاشي الإدارة الأميركيّة ممارسة ضغوط قويّة على حلفائها التقليديّين في المنطقة من أجل التغيير الديموقراطيّ، إذ لم ترد أن تعرّض مصالحها الاقتصاديّة في تلك البلدان لأيّ خطر. فضلاً عن أنّ استثناء إسرائيل والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة من المبادرة المذكورة، وتفاقم الشعور المناهض للغرب وتحديدًا للولايات المتّحدة الأميركيّة في الأوساط الشعبيّة العربيّة، عجّلا في تراجع المبادرة في صيغتها الديموقراطيّة.
فضلاً عمّا تقدّم، فبالرغم من أنّ طموح الإدارة الأميركيّة قد شمل الشرق الأوسط كلّه، فإنّ العراق حظي بالاهتمام الأكبر، لا سيّما أنّ الإدارة تلك وعدت بأن تجعل من العراق نموذجًا ديموقراطيًّا يُحتذى به. غير أنّ أخطاء الإدارة الأميركيّة في الداخل العراقيّ كانت فادحة. فعوض أن تسعى لتحقيق مصالحة وطنيّة بين مكوّنات المجتمع العراقيّ، عمدت إلى تسريح الجيش العراقيّ، وإلغاء حزب البعث، وسمحت بتهميش السنّة.
لقد انتهت مبادرة الشرق الأوسط الكبير إلى إخفاقات بالجملة. فالضغوطات المتعدّدة النوع التي لجأت إليها الإدارة الأميركيّة لم تؤدِّ إلى إقامة أيّ نظام ديموقراطيّ في الشرق الأوسط، ولم تحقّق الاستقرار في العراق، بل على العكس، تفاقم الصراع الداخليّ الدمويّ، وعادت الأنظمة التسلطيّة والمحافظة لتكتسب قوّة، وتهمّشت القوى المدنيّة المطالبة بالديموقراطيّة في غالبيّة البلدان العربيّة.
لا شكّ في أنّ إدارة جورج بوش الابن أدركت حاجة الشعوب العربيّة إلى التخلّص من حكّامها، وحاجتها إلى الحريّة والازدهار الاقتصاديّ. فهي ما كانت لتغامر بإطلاق “مبادرة الشرق الأوسط الكبير” من دون علمها السابق بغياب الرباط القويّ بين الأنظمة وشعوبها؛ بل، على نقيض ذلك، كانت تعلم أنّ الأنظمة تلك كانت عدوّة شعوبها. ولكنّها أساءت تقدير استعداد الشعوب العربيّة لتقبّل الديموقراطيّة بالسرعة التي أرادتها، وبالأسلوب الذي اعتمدته، وأغفلت تفاقم الشعور المناهض للغرب، وتحديدًا للولايات المتّحدة في الأوساط الشعبيّة العربيّة، بسبب سياسة الدعم اللامشروط لإسرائيل، وتغليب المصالح الاقتصاديّة على انتهاج سياسة عادلة.
بعد انقضاء ثماني سنوات على الفرصة الديموقراطيّة الأولى، وُلدت فرصة ثانية عندما أرادت الشعوب في عدد من البلدان العربيّة التخلّص من حكّامها. لم ترفع الانتفاضات الشعبيّة صراحة راية الديموقراطيّة، ولم تحمل أيّ برنامج سياسيّ، ولكنّها عبّرت عن إرادة ثابتة للتخلّص من أنظمة فاسدة ومستبدّة، ورغبة في حياة كريمة وحريّة وعدالة اجتماعيّة ومشاركة فعليّة في الحياة السياسيّة؛ وهذه حقوق تكمن في صميم النّظام الديموقراطيّ. وقد كان للأوساط الشبابيّة والجامعيّة تحديدًا، وهي أوساط تأثّرت بالمبادئ الديموقراطيّة الغربيّة الشموليّة، دور فاعل جدًّا في انطلاقة الانتفاضات التي كسرت حاجز الخوف الذي لطالما فرضته الأنظمة القديمة على شعوبها. لذا، وإن بقيت إرادة التغيير الأصيلة تلك غامضة، ومن دون ترجمة فعليّة، فهي اشتملت ضمنًا على عناصر أساسيّة في كلّ بناء ديموقراطيّ. وبهذا المعنى، يمكن القول إنّ تلك الانتفاضات خلقت فرصة لقيام ديموقراطيّات في العالم العربيّ. غير أنّها خلقت أيضًا فراغًا استفاد منه الإسلام السياسيّ ليصل إلى السلطة في مصر وتونس إلى حين، أو تحوّل إلى فوضى وحروب في ليبيا واليمن وسوريا، وإلى مواجهة مذهبيّة متفاقمة في البحرين.
وفي حين تستمرّ الأوضاع على ما هي عليه في البلدان الأخيرة، شهدت مصر وتونس تغييرات دراميّة تطرح تساؤلات عن إمكان صحوة ديموقراطيّة في البلدين أو على الأقلّ شروط مثل تلك الصحوة المرجوّة.
ففي مصر، منذ إسقاط حكم الرئيس محمد مرسي ووصول الرئيس عبد الفتّاح السيسي إلى الحكم، تبدو الاحتمالات المختلفة ممكنة. فهل سيستمرّ النظام في حملة قمعه الإخوان المسلمين والمعارضين، أم سيغيّر سياسته ويلجأ إلى إعادة إدماج الإخوان المحدود في الحياة السياسيّة بغية مواجهة التحدّيات الأمنيّة والاقتصاديّة؟ وهل سيُقدم الإخوان المسلمون على مراجعة نقديّة لأدائهم وخياراتهم السياسيّة ويتبنّون مبادئ ديموقراطيّة، أم سيستمرّون في خيار مواجهة النظام مهما كان الثمن؟ وهل ستبقى الأوساط الشبابيّة والثقافيّة والسياسيّة المشبّعة بالمبادئ الديموقراطيّة ساكنة خوفًا من عودة الإخوان إلى الحكم في حال أرخى الجيش قبضته، أم سينتفضون على النظام الجديد بعد التقاط أنفاسهم؟
وفي تونس، وفي انتظار اكتمال المشهد السياسيّ مع الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة في النصف الثاني من الشهر الجاري، يُطرح السؤال بشأن شكل الحكم المقبل وموقف “حزب النهضة” منه والقوى العلمانيّة والشبابيّة. فهل وصول “حزب نداء تونس” إلى الحكم بعد فوزه بالغالبيّة البرلمانيّة يعني عودة النظام القديم أو على الأقلّ عودة وجوه منه؟ وما سيكون موقف الأوساط الشبابيّة التي قاطعت الانتخابات عمومًا؟ وهل سيستمرّ الحزب الإسلاميّ بسياسة برغماتيّة أم سينتقل إلى معارضة متشدّدة إسلاميًّا؟ أم سيراجع سياسته ويختار اعتناق الديموقراطيّة الليبراليّة فعليًّا لا تكتيكيًّا؟
سيكون مستقبل الديموقراطيّة في البلدان العربيّة التي شهدت الانتفاضات متوقّفًا على قدرة صمود الأحزاب الديموقراطيّة العلمانيّة، والمنظّمات غير الحكوميّة ومنظّمات حقوق الإنسان والمجتمع المدنيّ، وقدرتها على توحيد جهودها لنشر ثقافة ديموقراطيّة في مجتمعاتها، وعلى وضع برامج نهضة اقتصاديّة وإصلاح إداريّ. وسيكون عليها في خطابها أن تفصل بوضوح بين المبادئ الديموقراطيّة الليبراليّة بصفتها مبادئ إنسانيّة شاملة وسياسة الغرب الماكيافيليّة، وتُظهر طبيعة العلاقات المجتمعيّة الجديدة التي تفترضها الديموقراطيّة والتي هي علامة الانتقال من المجتمع القديم إلى المجتمع الحديث. فالديموقراطيّة تعني انعتاق الفرد من هيمنة المجموعة الدينيّة أو العرقيّة الاقطاعيّة السياسيّة، وكسر الإطار الفكريّ التقليديّ الذي لطالما وفّر التماثل في التفكير والأخلاق على أساس التبعيّة.
ولكن لن تكتمل المسيرة من دون مراجعة الإسلام السياسيّ نهجه وأهدافه مراجعة نقديّة، ويُقدم لهذا الغرض على تفسير النصوص المقدّسة تفسيرًا يتماشى وحاجات الشعوب العربيّة الراهنة. فإنّ قَدَرَ كلّ تفسير أن يُعطي النصّ المقدّس معنى جزئيًّا، يبقى مرتبطًا بظروف تفسيره. فإذا تحوّل التفسير إلى تفسير جامد يخونُ النصّ نفسه، لأنّ النصّ هذا يحمل كلمة إلهيّة حيّة تخاطب الإنسان في واقعه. فعندما يُقرأ النصّ المقدّس في ضوء تساؤلات جديدة معاصرة، لا يجوز التمسّك بتفاسير قديمة لها إشكاليّاتها التاريخيّة والثقافيّة المكانيّة والزمانيّة. يمكن تلك التفاسير أن تفيد كدروس في مسارٍ تاريخيّ متطوّر ليس إلاّ، ولكن لا يمكن اعتبارها مصدر سلطة تخضع مسار الأوضاع التي تفترض التطلّع إلى المستقبل، لا الماضي. لذا، لا يمكن أيّ تفسير أن يدّعي استنفاد غنى النصّ المقدّس الأصليّ الذي يواكب بغناه تطوّرات المجتمعات وتطلّعات الشعوب.
إذا كان في وسع الأحزاب الديموقراطيّة العلمانيّة والمنظّمات الحقوقيّة والمدنيّة أن تُترجم ببرامج عمليّة تطلّعات الشعوب العربيّة التي عُبّر عنها في الانتفاضات الشعبيّة، فإنّ الإسلام السياسيّ قادر على أن يعبّر بفاعليّة أقوى عن تلك التطلّعات في حال جرت مراجعة نهجه وأهدافه بجرأة.

http://newspaper.annahar.com/article/196277-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

السابق
التباين في التسريبات حول إطلاق الدليمي والعقيلي يعكس شدّ الحبال
التالي
بوغدانوف وصل ليلا الى بيروت في طريقه الى دمشق

اترك تعليقاً