أقيم احتفال خطابي في المهنية العاملية لمناسبة ذكرى عاشوراء ألقى فيه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان كلمة قال فيها: “بالقيم الحسينية تتأكد محبة الله لحاكم, عفوه المعقول أكثر من عقابه، وعدله في أهله أظهر وأشد، ونفسه منه في تعب فيما رعيته منه في راحة، أقرب الناس إليه الفقراء، وأبعدهم عنه الأغنياء، لا يهمه من رضي إذا ما عدل، ينام جائعا لعل في رعيته من يمسه الجوع، يعزل ولده وأهله عما هو صادع به من أمر الناس، لأن من أمن الحاكم كان الخطأ إليه أسرع”.
أضاف: “قبل هذا وذاك، قرر الإمام الحسين الإنسان علة لشرعية الدولة ووظيفة السلطة، فإذا ما تخلفت هذه عن حاجة إنسانها، نالت حظها من الإستبداد. وبذلك شكلت الثورة الحسينية أطروحة الإنسان والسلطة بجدلية استثمار السلطة بالإنسان وليس العكس. وهو ما نادى به المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى طويلا، على اعتبار أن ما بين الله والإنسان هو عبارة عن صيغة أمانة وطموح كمالي، لذا فمن خان بوطن أو رعية فقد خان الله فيما افترض وأتمن”.
وتابع: “نزولا على المفهوم الحسيني: فإن المسيحي والمسلم، والمؤمن والملحد، خلق الله ورعيته، ولكل حظه من حقه وما يمكنه من استغلال دوره ووظيفته التي تتفق مع حجة الله، فالأرض أرض الله والعباد عباده، وكما أن الشمس والماء والهواء هبة الله للجميع, كذا الحاكم من رعيته، وهو ما بنينا عليه نظرية المواطن في هذا البلد، لجهة التماسك والتضامن وتأكيد وحدة المصير، وتأمين شروط العيش المشترك والسلم الأهلي، ومحبة الآخر وعونه والذود عنه واحترام خصوصيته، وإلا فإن الخصومة المستبدة بالآخر تعني انهيار البلد، وتكفيره، وإهدار دمه وعرضه ومطلق حقوقه، وليس هذا من دين الله، لأن الله بعث نبيه بالرحمة لا بالنقمة، وبالحياة وليس بالذبح، وبالإلفة والجماعة والإعانة وليس بالتفرد والغيلة والإستبداد، وهو عينه يؤكد أن السنة والشيعة كالجسد الواحد، إن اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء، وهو ما سيمنع الفتنة ويحول دون شياطينها، لأن الفتنة عدو الله وطريد السماء”.
وقال: “لذا، ولأننا نعيش لحظة مصير خطر جدا، بسبب اختلاط المحلي بالإقليمي والدولي وسط عاصفة أكبر من شرق أوسطية، فإن على الحكومة وقوى هذا البلد، إعلان حالة طوارىء وطنية تعيد تكريس مفهوم المواطنية بما يرتضيه الله من الأخوة في الله والنظارة في الخلق، بمضبط “كلكم لآدم”. بصراحة أكثر: الوطن الذي يكون فيه انكسار طائفة انتصارا لطائفة أخرى، هو أبعد من الله، وأقرب من التكفير. وبتعبير أخلاقية الإسلام: كلما كنت مؤمنا أكثر، كلما كنت وطنيا أكثر، لأن حب الوطن من الإيمان. وكلما كنت عطوفا على الآخر، كلما كنت الأحسن عند الله، لأن أحسنكم عند الله أحسنكم في رعيته وخلقه”.
وأكد أن “المطلوب اليوم هو تفكيك ألغام السياسة قبل ألغام الأمن، لأن الثاني ناتج عن الأول. وهذا يفترض إنتاج مادة وطنية أخلاقية تستفيد من قيم الدين، لتشكل أساسا رائدا بالتنشئة الوطنية ومحبة الآخر والذود عنه، لأن الإنسان ناتج ما يعتقد”.
وطالب “باتفاق سياسي ينهي شلل المؤسسات الدستورية، ويكفل انتخاب رئيس جمهورية يعزز المشترك بين 8 و14 آذار وباقي القوى والمكونات، لأن الإلغاء السياسي للآخر هو عبارة عن نحر مخيف لهذا البلد. كما أن تقديم الإقليمي على الوطني واللعب بنار المذهبية والخصومة الطائفية سيشطب لبنان عن الخريطة”.
وختم: “ليس المطلوب إعادة تعريف لبنان، بل إعادة تعريف ما نريد، لأن الثابت لبنان والباقي متغير. وفي هذا المجال، نؤكد دور الجيش وضرورة دعمه وتأييده، لأنه المؤسسة الوطنية التي ما زالت تمسك هيكل هذا البلد وتمنع الإرهاب من إسقاطه، وتعمل بكل طاقتها لتأكيد معنى الشراكة الوطنية والسلم الأهلي ووحدة المصير”.

