على رغم الهجمات الجوية الاسرائيلية، لم ينخفض عدد الصواريخ المنطلقة من غزة على اسرائيل. ويعود ذلك الى ان عدداً كبيراً من منصات الصواريخ مدفون تحت الارض، ويُخرج حين اطلاق الصواريخ ثم يخفى مجدداً، واختيار «حماس» تخبئة ترسانتها في امكنة لصيقة بالبنى التحتية المدنية، وانتشار الانفاق التي يعصى تدميرها بواسطة الصواريخ ويقتضي (تدميرها) تدخل القوات البرية. وترفض «حماس» وقف اطلاق النار. وشن عملية برية ضخمة يحمل الحركة هذه على القبول بوقف اطلاق النار. ولكن ارتفاع الخسائر البشرية يترتب على خيار شن مثل هذه العملية البرية. وتخلف الاشتباكات بين الجنود الاسرائيليين ومقاتلي «حماس» قتلى مدنيين فلسطينيين. ومضى اسبوع على شن عملية برية، ويرجح ألا تضع أوزارها قبل اسبوع على الاقل.
وأفلحت «حماس» في انشاء شبكة بنى تحتية تثير الاعجاب ولا يستهان بها، واستثمرت مبالغ كبيرة في الاعوام الاخيرة. وبدأت عملية حفر الانفاق على الحدود مع مصر قبل ثماني سنوات ثم توسعت الى كل قطاع غزة. ويبلغ عمق بعض الانفاق هذه 25 متراً وطوله نحو كيلومتين أو ثلاثة كلم. وتخزن «حماس» ترسانتها في الانفاق هذه، وتستخدمها في تنقل جنودها. واكتسبت الحركة هذه خبرات في حفر الانفاق وتحصينها من خبراء ومهندسين اجانب، قد يكونون ايرانيين زاروا غزة ونشروا معارفهم.
واللافت أن النزاع الاسرائيلي مع «حماس» ليس مبدئياً. وشاغل اسرائيل الوحيد في القطاع هذا أمني. فهي لا تسعى الى تغيير الواقع السياسي هناك ولا الى احلال نظام «فتح» محمود عباس محل «حماس». وترمي الى وقف اطلاق الصواريخ، ونزع سلاح قطاع غزة. ولا تعارض طلب «حماس» فتح نقاط العبور مع مصر، ولكنها تختلف معها على التكتيكات.
وعلى رغم انني لست في موقع القرار الحكومي، انا مقرب من دوائره، ومطلع على ما ترتضيه من اجل تغيير أحوال العيش في غزة: فتح نقاط العبور بين رفح ومصر ليلاً ونهاراً طوال ايام الاسبوع، زيادة حركة السلع بين اسرائيل والقطاع من اجل تحفيز النمو الاقتصادي، واعادة بناء البنى التحتية المدنية في غزة، وقد تفتح المعابر على الحدود بين القطاع واسرائيل. وأؤيد رفع الحصار البحري عن غزة بإشراف دولي، وحركة استيراد وتصدير بحري الى أوروبا بعد تفتيش الحمولات. وحين تتوقف الاعمال العدائية، سنقف امام خيارين: اتفاق هزيل يلزم الاسرائيليين والفلسطينيين بوقف اطلاق النار، على ما كانت الحال في 2012، أو ابرام اتفاق واسع يخفف القيود على حركة السلع والاشخاص بين القطاع والخارج واستقطاب الاستثمارات المدنية. وأعتقد ان الحكومة الاسرائيلية الحالية ستصدع بمثل هذين الحلين، إذا قايضت «حماس» تفكيك ترسانتها برفع الحصار.

