مع حسم “حماس” خياراتها وفقاٌ للطريقة “التونسية”، أي بالتوجّه نحو تشكيل حكومة مصالحة وطنية، والتنازل عن سلطتها الأحادية في غزة، تبدو هذه الحركة وكأنها أدركت التحولات العربية والدولية، والضائقة التي باتت تواجهها كسلطة وكحركة، ومعها حوالى مليون ونصف مليون من سكان قطاع غزة.
ومع أن هذا التحوّل يستحق التقدير، إذ كان في إمكان “حماس” المعاندة والاستمرار في السلطة، على النحو الذي هي عليه، دون أن تبالي بما سيحصل، إلا أنه ينبغي القول، أيضاً، أنها تأخّرت كثيراً في الوصول إلى هذا الخيار. وقد نجم عن ذلك صرف قدر كبير من الطاقة الفلسطينية في الخلافات الجانبية، بدلاً من صرفها في مواجهة السياسات الإسرائيلية، فضلاُ عن مفاقمة معاناة الفلسطينيين في القطاع جراء الانقسام والحصار والافتقاد إلى الموارد. وفوق هذا وذاك، فإن هذا التأخّر جعل “حماس” تذهب نحو خيار المصالحة والوحدة في لحظة ضعف، بعد أن كانت فوّتت خياراً كهذا في لحظات قوّتها، وصعود مكانتها، في عديد من محطات الأعوام الماضية، لاسيما العامين الأولَيْن من “الربيع العربي”.
في هذا الخيار يبدو أن “حماس” استوعبت الدرس التونسي، وأنها كجزء من التيار الإسلامي باتت أميل إلى شقيقتها “النهضة”، بعد الضربات التي وجّهت للشقيق المصري، والإخفاقات التي تعرّض لها، ما يحسب لها أيضاً. فمما لاشك فيه أن تنازل “النهضة” عن السلطة، ومساهمتها في صوغ دستور جديد، أدهش العالم بمدى ايمانه بحقوق الانسان والديموقراطية وتداول السلطة وقيم الحرية والمساواة، كان لهما اثرهما على حركة “حماس”، بعد أن باتا يشكلان الهاما للتيارات الاسلامية في البلدان الأخرى.
في الغضون ثمة تسريبات صحافية تفيد أن اوساطا في حركة “حماس” تتباحث في شأن فكرة اقترحها الدكتور أحمد يوسف، المستشار السابق لرئيس حكومة حماس في غزة، قوامها التوجه نحو تأسيس حزب سياسي جديد يأخذ الطابع المدني ويواكب تغيرات المنطقة، لتمكين هذه الحركة من الخروج من أزمتها او من العزلة العربية والدولية التي تتعرض لها، وتجنيب أعضاء الحركة الملاحقة الإسرائيلية والاعتقالات في الضفة على خلفية انتمائهم السياسي، كما أن من شأن ذلك فتح أبواب الحركة وتجديد حيويتها الفكرية والتنظيمية وتجديد شباب قيادتها.
وفي الواقع فإن مجمل الفصائل الفلسطينية تعاني من تكلس أفكارها وبناها وتقادمها، وهي بحاجة ماسة إلى تجديد حيويتها وشبابها وليس حركة “حماس” فقط، ولكن إن حصل ذلك في هذه الحركة فهذا يعني أنها تعمل حقا لتجاوز ازمتها، وأنها تستفيد من دروس التجارب الأخرى، بخاصة تجربة التيار الاسلامي في تونس وتركيا أيضاً.

