‘بُشرة خير’: حمّى الرقص الإنتخابي

ما أن تكتب “بشرة خير” في مربع البحث في “يوتيوب”، حتى تقفز في وجهك النتائج المتناقضة. كل نتيجة منها تعبر عن مسار إجتماعي ورؤية سياسية. كل نتيجة تحمل في معناها الكامن صورة الواقع المصري الحالي بكل عبثه.
القصة تبدأ –كالعادة- بشرارة، إنطلقت في 15 من الشهر الجاري، مع إطلاق أغنية تحمل عنوان “بشرة خير” بصوت المغني الإماراتي حسين الجسمي، وهي من كلمات أيمن بهجت قمر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع توما. وما أن خرجت الأغنية إلى النور ومعها الكليب الذي أنتجته قناة CBC، والتي تدعو المصريين إلى النزول للإنتخابات والتصويت ونبذ السلبية، حتى انتشرت كالفيروس في كل مكان. أكثر من 7 ملايين مشاهدة للكليب و4 ملايين للأغنية. علا لحنها الراقص في الشوارع، وبدت أنها ورثت الشهرة و”الشرعية السياسية” والمجد الذي عاشه أوبريت “تسلم الأيادي” طول الأشهر العشرة الماضية.

إلى هنا، وتمشي القصة في سلام. غير أن وجود عمرو مصطفى، “كشاف الماسونية الأهم في مصر”، أثار زوبعة، كونه ترك التلحين (أو سرقة الألحان لتحري الدقة) بعد الثورة، ليكشف عن كل رمز أو جملة أو رسم أو طلة ماسونية في كل ما يخص الثورة المصرية، ليثبت للعالم أن مصر مستهدفة من عدو مبهم صهيوأميركي ماسوني غاشم!

الآن يعود عمرو مصطفى مقتبس الألحان بقوة، وتنتج له الشبكة الإعلامية الأعلى مشاهدة في مصر، وتتحول الأغنية إلى موجة لا تهدأ في مصر. فيبدأ العارفون بملحن الماسونية في البحث عن أصل اللحن، مثلما فعلوا ذلك مراراً مع أغاني ادعى تلحينها. ولم يكن البحث عسيراً. فبعد خروج الأغنية بيومين اثنين، ظهر الحق واكتُشف اللحن الأصلي. لكن عمرو مصطفى لديه مناعة من مثل هذه “الإتهامات” التي رافقته طوال مشواره الفني، ودخل في معركة جانبية خاصة مع سلمى صباحي بنت المرشح حمدين صباحي. وكتب لها رداً جارحاً وعنيفاً وحذفها على الفور، بعدما شكرت الكاتب وحده على الأغنية. وخرج عمرو مصطفى على الفضائيات مع فريق عمل الملحمة ليحكي كيف ولدت بالصوت والصورة.

أما للكليب الراقص فقصة أخرى. خرج مطرب الرومانسية البائسة هاني شاكر ليعترض على تشويه المصريين في كليب يرقصون فيه. ثم ظهر الشوفينيون الرافضون لصوت إماراتي يغني عن المشاركة الإنتخابية في مصر، وهو من بلد لا انتخابات فيها! وبعد الفئتين، حماة الفن الأصيل والزمن الجميل الذين يراهنون على عدم بقاء الأغنية لأن كلماتها “غير جادة”.. كما خرج من يرى في الأغنية استخفافاً بعقول المصريين الطيبين.. كل ذلك وأنغامها الراقصة تنتشر أكثر وأكثر.

لكن هذا الجدل المتوقع ليس بالشيء الجديد وقد خاضه المصريون من قبل. الجديد في القصة هو حمى الكليبات الساخرة من الأغنية وإيقاعها الراقص. يكفي فقط أن تكتب “بشرة خير” في مربع البحث في “يوتيوب”، حتى يظهر العشرات من الفيديوهات من ثوان معدودة إلى وقت الأغنية كاملاً. فمن عادل إماموأحمد حلمي، وأحمد مكي، مرورا بقرد استوائي، وكائنات فضائية، والمنيونز (شخصيات من فيلم الكارتون despicable me) وأبطال مصارعة، وطلبة كليات من محافظات مصرية مختلفة، وكائنات فضائية وديناصورات.. لم يترك الشباب فيديو يناسب الإيقاع الراقص إلا وصنعوا له فيديو، وكل لحظة يظهر فيديو جديد يسخر من الأغنية. “حمى” انتشرت بضراوة وخفة ظل كأنها منافسة مشتعلة ومسابقة محمومة على اللاشيء، غير انتزاع الضحكة من مشاهدي الفيديوهات.

“الإخوان المسلمون” بدورهم لم يتركوا الأغنية بتأثيرها الهائل يذهب من دون مساهمة، لكنها تفتقر إلى خفة ظل بقية الفيديوهات. ومثلما استفادوا من نجاح أغنية “تسلم الأيادي” من قبل وحوّلوها إلى “تنشلّ الأيادي”، تصرفوا بسرعة مع صعود الأغنية وقاموا بإطلاق نسختهم الخاصة من “بشرة خير” بكلمات جديدة تتغنى بالمقاطعة وتهاجم السيسي، بثقل ظل لا يخفى على أحد. فتاهت وسط السيل العاتي من سخرية لا تقف عند حد.

كل هذا الصخب، وكل هذه الطرافة، والملهاة المبكية، نموذج من الهيستريا الواقعة في الشارع المصري قبيل الانتخابات وتسمية السيسي رئيساً للجمهورية. فأدعياء الفضيلة في مكانهم في رقابة الأخلاق، وسارق الألحان في مكانه بالصدارة، والمعتزون بالقومية المصرية بضجيجهم بلا طحين، والدولة تحرك بعض الألعاب للإلهاء من خلال أذرعها الإعلامية. أما الشباب فيسخرون بإخلاص على الشبكة العنكبوتية، والناس ترقص على “مقسوم” الأغنية وهو الأمر المبهج الوحيد في هذه الحمى.. ذات النهاية المأساوية.

تقول كلمات الأغنية:
ونا هاجي مع السوهاجي والقناوي والسيناوي والمحلاوي اللي ميه ميه والنوبه الجُمال
ماتوصيش السوايسه الدنيا هايصه كده كده
واللسماعلاويه ياما كادوا العدا
كلمني ع الشراقوه واحنا ويا بعض اقوى
واحنا ويا بعض اقوى
وأملنا كبير
دي فركة كعب وهتعملها
قصاد الدنيا هتقولها
وخد بقى عهد واعدلها
سكتت كتير

بحيري منوفي أو دمياطي
دول اقربلي من اخواتي
حلايب أهل وقرايب
ناديلهم رووح

واكتر حاجه فيها ميزه
نشوف حبايبنا في الجيزه
يا مرحب ألف خطوه عزيزه

السابق
هكذا حاول التخلص من والدته..
التالي
قُبلة للسيسي أثناء التصويت تثير أزمة في مصر