ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
أيها الأحبَّة، إنَّنا مدعوون إلى أن نكون أمّة الرضا؛ الأمة التي تثق بربها، ولذا، تقبل بما يقضي به، ولا تعترض، أو تتأفَّف، أو تضجر، أو تسأم، رغم الآلام والصّعوبات. وبهذا الرضا والاطمئنان، نواجه كلّ التحديات في واقعنا، وما أكثرها!
والبداية من لبنان، الَّذي لم يعد مساحة مفتوحة للتَّفجيرات والتهديدات فحسب، والتي مع الأسف، لن يكون آخرها استهداف الجيش اللبناني في الهرمل، بل أضحى أيضاً ميداناً مفتوحاً للعدوّ الصّهيوني، الَّذي لا تقف اعتداءاته عند استباحة الأراضي اللبنانية براً وبحراً وجواً، إنما يتعدى ذلك، ليوجه رسائل في كل اتجاه، وخصوصاً للداخل، ليؤكد حضوره، مستفيداً من الانقسام اللبناني الداخلي، واستمرار الجدل حول أمور استراتيجية، ينبغي أن تكون واضحة من الأساس، ولا سيما في ظلّ العدوان الإسرائيلي المتواصل بطريقة وأخرى.
ونحن في الوقت الذي نقدّر حكمة المقاومة في الرد على العدو، ومنعه من تحقيق أهدافه، أو رسم معادلة جديدة، ندعو سائر مكوّنات الحكومة اللبنانيَّة، إلى وعي خطورة هذه المرحلة، على المستويات الأمنيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، ونهيب بالجميع التمسّك بالسياسة الإيجابية التي مارسها كل الأطراف، عندما تنازلوا لمصلحة تشكيل الحكومة، وهو ما أعطى بصيصاً من الأمل للبنانيين، بأنهم باتوا على عتبة مرحلة استقرار أمني وسياسي.
إنَّنا نأمل أن تنعكس هذه الروح الوطنية على أجواء الحوار الحكومي، للوصول إلى صيغة جامعة للبيان الوزاري، تمهّد لبناء خطة موضوعية، تقي البلاد من الانهيار الاقتصادي والمعيشي، وتحميه من التفجيرات الإرهابية المتنقلة، ولا سيما في هذه المرحلة، حيث تتوالى المعلومات حول الخطط الخطيرة، التي تستهدف ــ إضافةً إلى المواطنين ــ قيادات وطنية كبرى، لإثارة الفتنة، وإدخال البلد في حالة من الفراغ والاضطراب الأمني والسياسي.
وفي موازاة ذلك، وفي ظلّ استهداف الجيش اللبناني على حواجزه بشكلٍ مباشر، وأمام التهديدات الموجّهة له، نشدد على جميع القوى السياسية، الوقوف إلى جانبه، وندعو الشعب كلّه إلى أن يكون مظلّة حامية له. ولا ننسى الغطاء السياسي، الذي ينبغي أن يوفّره الجميع للجيش، حتى نمنع تدمير البلد من بوابة استهداف المؤسَّسة العسكريَّة، التي تمثّل الضّامن الأوّل لاستقرار الوطن وحماية أمنه. كما لا بدَّ من إظهار الحرص على المقاومة، التي أثبتت فعاليتها في ردع العدوان الصهيوني، والسّعي لعدم إدخالها في دائرة الجدل السياسي القائم، وإبعادها عن الصراعات الداخلية، إضافةً إلى متابعة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية.
كذلك، إننا نؤكد أهمية تعزيز العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، على مستوى المنطقة كلها، بعد كل ما حدث ويحدث فيها، لتكون هذه العلاقات مبنية على أسس من الثقة المتبادلة، ولنقول لكلّ من يعمل على تعقيد العلاقة مع المسيحيين في هذا البلد أو ذاك، بأن علاقتنا هذه، مبنية على ما تعاقدنا عليه معهم في العيش المشترك، والاحترام المتبادل، والمواطنة الصالحة، وقائمة على أساس القيم المشتركة التي أكّدها الإسلام، والقرآن الكريم، والرسالات السماوية، بعيداً من كل تهديدٍ ووعيد، وعن كل ما يسيء إلى هذه القيم في أصالتها وروحها وعمقها.
أمام ما يجري في سوريا، ندعو الجميع إلى العمل سريعاً لفتح نوافذ الحوار الداخلي السوري، وطيّ ملف هذا الصراع الدامي، الذي يدمّر الحجر والبشر وكل مواقع القوة في هذا البلد، وتصويب مسار الصراع نحو العدو الصهيوني، الذي لا يريد خيراً لأحد، وإن كان يوحي بالحرص على نصرة فريق، عبر الرسائل العسكرية، أو المواقف السياسية، أو فتح المستشفيات الميدانية، وما إلى ذلك.
وفي ظلّ الانتهاكات الصهيونية التي يتعرّض لها المسجد الأقصى، والمشروع الصهيوني الخطير الذي يرمي إلى تقويضه بشكل تدريجي، ووضعه تحت سلطة العدو، ليشرف عليه بشكلٍ مباشر، بعدما كانت المسألة منوطة بالأردن، وإن كان من الناحية الشكلية. إننا في ظلِّ هذا الوضع الخطير، ندعو العرب والمسلمين جميعاً، إلى مواجهة هذا المشروع بشكل فوري وجماعي، وعدم التلكّؤ عن نصرة أهلنا في فلسطين بكل الوسائل المتاحة.
إنَّ العدوّ يستغلّ هذا الشَّرخ الَّذي يصيب بلداننا، ويستثمر الفتن المتنقّلة فيها، ويعمل من خلالها على السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى، بما يتيح له هدمه، أو إخراجه من النطاق العربي والإسلامي، أو تقسيمه زمنياً ومكانياً، وإفساح المجال لليهود للتحكم به، كما كان يخطط سابقاً.
إننا نثمّن قرار البرلمان الأردني بطرد سفير الكيان الصهيوني، واستدعاء السفير الأردني. وفي الوقت نفسه، نؤكد أهمية بروز موقف عربي وإسلامي شامل في مواجهة هذا العدو، على المستويات الرسمية والشعبية، لدفعه إلى التراجع عن خطواته التهويدية ومشاريعه الخطيرة.

