كتبت “الشرق ” تقول: تلقى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان رسالة من امير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اكد فيها بذل جهوده القصوى للافراج عن المطرانين المخطوفين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم في اقرب الاجال تماما كما حصل مع اللبنانيين المفرج عنهم من اعزاز، معربا عن قناعته انه إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا. ورأى إنّ نموذج الاستثناء اللبناني المميّز الذي قام على العيش المشترك الاجتماعي والسياسي ورعى حماية الاقليات قد يشكّل منطلقاً لنظام اجتماعي وسياسي مشرقيّ جديد يؤدّي بتنوّعه وحريّاته الفرديّة والعامة إلى مطاف ينتهي بدولة المواطنة الحقيقيّة.
وشدد على انّ مستقبل المسيحيين في الشرق هو استمرار لماضيهم في المنطقة، معتبرا ان هذا المستقبل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم، وكلّ جهد يهدف الى بناء الدولة العادلة والحاضنة التي تسمح بمشاركة جميع مكوّنات المجتمع الحضاريّة في الحياة السياسيّة وإدارة الشأن العام، بقطع النظر عن أحجامها العدديّة، ولا يكون بالتقوقع والانعزال وبالحماية العسكريّة الأجنبيّة او بما يسمّى “تحالف الأقليّات” والتماهي مع الأنظمة غير العادلة والمتسلّطة.
واذ عدد الاخطار التي تهدد مسيحيي الشرق منبها الى خطر التطرّف والغلوّ على الاعتدال والديموقراطيّة وروح التسامح والإخاء، فان الرئيس سليمان اعتبر ان تأكيد خيار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبدأ التمييز بين الشعوب مهدّداً كلّ مبادئ السلام القائم على العدل والمساواة ومنذراً بردّات فعل عشوائيّة قد تطاول أخطارُها المسيحيين.
كلام الرئيس سليمان جاء في خلال كلمة القاها في المؤتمر العام الاول لمسيحيي المشرق الذي انعقد أول أمس في مركز حوار الحضارات العالمي في الربوة بحضور الرئيس حسين الحسيني والنائب العماد ميشال عون ونائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل ووزراء ونواب وبطاركة الكنائس المشرقية ووزراء ونواب ورؤساء أحزاب وفاعليات من لبنان والمشرق ودول العالم.
والقى امين عام اللقاء المطران سمير مظلوم كلمة رحب فيها بالرئيس سليمان لافتا الى تشجيعه المؤتمر.
ثم القى المطران الياس كفوري ممثل البطريرك يوحنا العاشر دعاء من اجل المطرانين المخطوفين يازجي وابراهيم، القى بعدها الرئيس سليمان كلمة جاء فيها:
مع اهتزاز الفكرة القوميّة، وتنامي الحركات الأصوليّة الرافضة للآخر المختلف، على محدوديّتها، عادت مشكلة الأقليّات، كما يعرّف عنها البعض، إلى دائرة التفاعل والاهتمام في ضوء سلسلة طويلة ولكن معزولة حتى الآن، من حوادث العنف والاعتداء.
إنّ الأخطار التي تهدّد مسيحيي الشرق مدار بحثكم اليوم، أصبحت معروفة، وأهمّها تقلّص في الوجود الديموغرافي والجغرافي ونزيف الهجرة وتراجع الدور في القرار السياسي والاقتصادي باستثناء لبنان، وارتفاع صوت العصبيّة الطائفيّة والمذهبيّة، واندلاع المسألة الدستوريّة بشأن مدى الفصل بين سلطة الدولة ومؤسساتها وأحكام الشريعة ومفاهيمها السياسيّة، بالتزامن مع الحراك الشعبي القائم، على ما يحمله من آمال ويشوبه من تطرّف وعنف. كما أنّ إصرار المسؤولين الإسرائيليين على تأكيد خيار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبدأ التمييز بين الشعوب مهدّداً كلّ مبادئ السلام القائم على العدل والمساواة ومنذراً بردّات فعل عشوائيّة قد تطاول أخطارُها المسيحيين.
إلا أنّ ما يدعو إلى تبديد القلق أنّ التحوّلات العاصفة لم تكرّس في أيّ بلد الفكر الأحادي المطلق، حيث تبرز محاولات للتوفيق والمواءمة بين المفاهيم والنظم، كمثل ما ذهبت إليه وثيقة الأزهر مثلاً في الحديث عن الدولة الوطنيّة من دون تحديد صفات أخرى للدولة. وقال بعض الفقهاء والمفكّرين بالدولة المدنيّة أيّ الدولة غير التيوقراطيّة من دون أن تكون دولة محايدة بين الأديان. ومن الأمور المشجّعة على التفاؤل أيضاً أنّ لبّ المشكلة لا يكمن في المعتقد الديني بل في العصبيّة. فالخطر الأكبر للتطرّف والغلوّ إلى أيّ طائفة أو مذهب انتمى هو على الاعتدال وعلى الديموقراطيّة الحقّة وروح التسامح والإخاء التي طالما سادت على مساحة العالم العربي ووحّدت الشعوب والقلوب على قاعدة الانتماء القومي والقيم الروحيّة والإنسانيّة السامية.
اضاف: في مطلق الأحوال فإنّ معركة الدساتير الجديدة يجب أن تركّز في رأينا على ما يخدم وحدة المجتمعات وعزّتها والكرامة الإنسانيّة لكلّ فرد من أفرادها على قاعدة ما توصّلت إليه البشريّة من مكتسبات على صعيدي الحريّة وحقوق الإنسان بقطع النظر عن دينه أو لونه أو عرقه، على ما نصّ عليه الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلان الخاص بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليّات قوميّة أو إتنيّة أو دينيّة أو لغويّة الذي أقرّته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 كانون الأوّل 1992.
إنّ نموذج الاستثناء اللبناني المميّز قد يشكّل منطلقاً لنظام اجتماعي وسياسي مشرقيّ جديد يؤدّي بتنوّعه وحريّاته الفرديّة والعامة إلى مطاف ينتهي بدولة المواطنة الحقيقيّة فلبنان تأسّس ككيان حريّة، وأنبت في العصر الحديث حريّات عدّة تأصّلت فيه، من حريّة المعتقد إلى حريّة الرأي والتعبير وصولاً إلى حريّة الاجتماع وسائر الحريّات العامة المتعارف عليها في الأنظمة الديموقراطيّة الحديثة.
وإلى الحريّة، رعى الكيان اللبناني حماية الأقليّات، أقليّات الدين والرأي والموقف والسياسة، وجميع الأقليّات التي تباينت بالرأي والمعتقد مع الأكثريّة فاجتمعت فيه لصون معتقداتها ومواقفها. وشكّلت مكوّنات ثقافيّة وحضاريّة متنوّعة في إطار من الوحدة والإغناء المتبادل. وتم التعبير عن ذلك في النظام من خلال خصوصيّة التوازن والمشاركة في السلطة لجميع الطوائف.
إنّ الآباء المؤسّسين للنظام اللبناني أدخلوا في تجربتهم وعبر الميثاق الوطني بعداً جديداً على الديموقراطيّة هي ديموقراطيّة الجماعات وهي التي تترك الحيّز المعهود للأفراد بحقوقهم وواجباتهم وتتعاطى في الوقت نفسه مع الجماعات، محاولة أن تقيم بينها لعبة سياسيّة قائمة على القبول المتبادل. كذلك فإنّ لبنان وخصوصيّة المسيحيين فيه كانا دائماً واقعاً حاضراً في حياة مسيحيي الشرق وفي نظرتهم إلى واقعهم ومستقبلهم.
لبنان الكيان والنظام والنموذج لعيش الأديان والجماعات المختلفة، قام على العيش المشترك الاجتماعي والسياسي، أيّ العيش بين المسيحيين والمسلمين بالمساواة المطلقة كينونة وشرعاً.
وقال: العيش المشترك لا يعني تجاور المسلمين والمسيحيين في مكان واحد أو أرض واحدة أو دولة واحدة. فهذا التجاور الاجتماعي والمعيشي عمره في الشرق أكثر من ألف وأربعمئة سنة، إلاّ أنّه أعطي في لبنان بالذات صورته الفضلى، وقد غدا للشرق والغرب رسالة حريّة وعيش مشترك وتكامل مبدع. فالعيش المشترك ليس التعايش الاجتماعي في علاقاته الأفقيّة من تجارة وتجاور وتعامل. إنّ العيش المشترك هو العيش المشترك السياسي بعلاقاته العموديّة، أيّ علاقات الحاكم والمحكوم على قياس واحد من المساواة والمشاركة. إنّه مشاركة في الحكم والسلطة داخل إطار القبول والرضى المتبادل. فلا لتحكّم الأكثريّة الساحقة التي تؤدّي إلى هيمنة العدد، ولا للأقليّة المهيمنة التي ينتهي حكمها إلى الديكتاتوريّة.
إنّ العيش المشترك يعني عدم التقوقع على الذات أو الاستعلاء على الآخرين. إنّه يعني الدخول مع الآخرين في حوار دائم والتفاهم والتعامل معهم على قدم المساواة. إنّه يعني أيضاً تحقيق الذات مع الآخر وليس ضدّه أو على حسابه أو ضدّ الذات أو على حسابها. في المقابل فإنّ المطلوب من الآخر المختلف تقديم الهويّة الوطنيّة على الهويّة الدينيّة واحترام الخصوصيّات وتعميم ثقافة التسامح والمحافظة على الأصل التاريخي لهويّة البلد المتعدّد ونواته الحضاريّة الأقدم بعيداً عن ثقافة أحقيّة الغالبيّة وغلبتها. إنّ هذا النموذج يحتاج دوماً إلى دولة قويّة بمؤسسات منبثقة من عمليّة ديموقراطيّة سليمة.
إنّنا نعتقد مع شارل مالك بأنّه إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا. وإذا تفشّت لدى المسيحيين عقدة الشعور الأقلويّ ورضخوا له، حكموا على أنفسهم بالذوبان وفقدان الذات، وحكم على تاريخهم بالانفتاح والإقدام والعيش الحرّ الذي بنوه مع إخوانهم في المجتمعات الشرقيّة على مدى قرون. ورغم الاعتداءات المتكرّرة في فترات معيّنة على غرار الخطف والاحتجاز المشينين للمطرانين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم، والتي ننظر إلى مساع حثيثة ونشطة لتحريرهما سالمين مكرّمين، خصوصا اني تلقيت رسالة من امير قطر الشيخ تميم اكد فيها بذل جهوده القصوى للافراج عن المطرانين في اقرب الاجال تماما كما حصل مع اللبنانيين المفرج عنهم من اعزاز، فإنّنا على ثقة بأنّ مستقبل المسيحيين في الشرق هو استمرار لماضيهم في المنطقة، أيّ أنّه مزيج من المصاعب والإمكانات، الإخفاقات والنجاحات، ومحكوم دائماً بالتحدّي والاستجابة له. وهذا ما ينطبق على نظرة ارنولد توينبي إلى مجرى التاريخ البشري. بمعنى أنّ مستقبل الجماعات محكوم بقدرتها دائماً على الاستجابة للتحديات التي يفرضها عليها واقعها ومحيطها. وفي ظنّي أنّ التحدّي المطروح على المسيحيين في لبنان والشرق هو الحؤول دون أن يصبح الشرق منطقة رتيبة معقّمة حيث لا وجود لتنوّع الأديان وامتزاج الحضارات المثمر.
لقد أظهرت زيارة قداسة البابا السابق بينديكتوس السادس عشر للبنان في العام 2012، وقبلها زيارة قداسة البابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني في العام 1997، مدى حيويّة الوجود المسيحي في لبنان ونوعيّة الشراكة البنّاءة القائمة بين المسيحيين والمسلمين، بإرادة حرّة وواعية والتي يقع علينا واجب تعميقها وتثميرها. كذلك شكّل الإرشادان الرسوليان الموجّهان إلى مسيحيي لبنان ومسيحيي الكنائس الشرقيّة خريطة طريق فعليّة لطبيعة علاقتهم بين بعضهم البعض، ومع إخوتهم المسلمين، وفي محيطهم العربي. ومن المفترض بهذه الإحاطات المرشدة والمضيئة أن تشكّل عناصر فرح وأمل ورجاء ومنطلقات لعزم جديد، لن تقوى عليه الشدائد، بالرغم من أجواء القلق الظرفيّ السائدة.
وإذا ما اعتبرنا الهجرة غربة للفرد وخطراً وجودياً للجماعة، وتفريطاً بما إئتمنّا عليه من أرض وإرث وقيم، فإنّ مستقبل المسيحيين المشرقيين لا يكون بالتقوقع والانعزال، لأنّ ذلك مخالف لطبيعة رسالتهم ولتاريخ تجذّرهم في الشرق ومساهمتهم في نهضته وعزّته ونضالاته؛
ولا يكون بالحماية العسكريّة الأجنبيّة، لأنّها مشروع بائد ومستفزّ ويتنافى مع عمق انتمائهم القومي؛
ولا يكون بما يسمّى “تحالف الأقليّات”، لأنهّ منطق مواجهة مرفوضة ومشروع حرب دائمة ومدمّرة؛
ولا يكون بالتماهي بشكل عام مع الأنظمة غير العادلة والمتسلّطة، لأنّ فيه مشروع عداوة مع الشعوب ويتناقض مع روح الدين المسيحي الرافض لأيّ قهر أو ظلاميّة أو ظلم؛
بل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم، وكلّ جهد يهدف الى بناء الدولة العادلة والحاضنة، التي تحترم حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة، بما في ذلك حريّة العبادة وممارسة الشعائر الدينيّة، والتي تسمح بمشاركة جميع مكوّنات المجتمع الحضاريّة في الحياة السياسيّة وفي إدارة الشأن العام، بقطع النظر عن أحجامها العدديّة، بل استناداً الى ما تمثّله وترمز إليه من تنوّع مثر للذات العربيّة في أبعادها الفكريّة والثقافيّة والعلميّة.
مشروع المسيحيين في الشرق هو مشروع كلّ مواطن، إلى أيّ طائفة أو مذهب انتمى، يتوق إلى الحريّة والعدالة والسلام والتنمية. على هذا أعاهدكم في يوم انطلاقتكم، وأتمنى النجاح لأعمالكم، تقدمون عليها بفكر مستنير محبّ، وعقل راجح وجامع، معزّزين بذلك فكرة الحوار بين الحضارات والثقافات والديانات الذي أقمتم له مركزاً مرموقاً في هذا الصرح بالذات وقد افتتحناه في 10 ايار 2011.
إنّكم أصحاب حقّ ورسالة وصاحب الحقّ لا يموت وناشر الرسالة لا يستسلم”.
وفي ختام الافتتاح، قدم اعضاء الهيئة الادارية الى رئيس الجمهورية درعا تذكاريا قبل التقاط الصورة التذكارية.

