كتبت “الجمهورية ” تقول: الاتفاق الأميركي – الروسي ما زال وحده سيّد الموقف، ويحكم مصير الأزمة السورية بشقّيها الكيماوي والسياسي، حيث تقاطع الطرفان مجدّداً على عقد مؤتمر “جنيف-2″، إذ أملَ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري بأن يعقد “جنيف ـ 2” في منتصف تشرين الثاني، فيما كرّرت المعارضة مطالبتها الحصول على ضمانات عربية وإسلامية قبل بدء أيّ عملية تفاوضية. وفي موازاة المشهد السوري أجرى الرئيس المصري الموَقّت عدلي منصور محادثات مع الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الذي أكّد وقوف المملكة ضدّ كلّ من يحاول المساس بشؤون مصر الداخلية، وخصوصاً الإرهابيين. وأمّا داخليّاً، فاستمرّ السجال السياسي حول الحكومة بين فريق 14 آذار الذي واصل ضغطه على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلّف تمّام سلام للتأليف فوراً، وفريق 8 آذار الذي جدّد تحذيره من أيّ حكومة أمر واقع أو بيان وزاريّ من دون “الجيش والشعب والمقاومة”.
مع استمرار عملية تدمير “الأسلحة الكيماوية” في سوريا، اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية لغة الديبلوماسية مع النظام السوري، بعد انكفاء لغة التهديد العسكري نسبياً، فأشاد وزير الخارجية جون كيري بالرئيس بشّار الأسد “غير القلق على مصيره” مُعترفاً بفضله في عملية تدمير الترسانة الكيماوية السورية بسرعة قياسية.
وأكّد كيري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الروسي سيرغي لافروف اثر لقائهما في قمة بالي “أنّ الحل العسكري بات “غير ممكن أو مقبول، شأنه شأن التحرّكات المتطرّفة”. وقال: “نحن مستمرّون بالخطوات الجدّية مع شركائنا بخصوص أزمة سوريا، ونسعى لعقد مؤتمر جنيف-2 وإجراء محادثات سلام بأسرع وقت ممكن للتوصّل إلى حل”، مشيراً إلى أنّ “هدفنا المشترك مع لافروف هو وضع نهاية أو حدّ للحرب في سوريا بطرق ديبلوماسية في إطار مؤتمر جنيف”.
المعارضة
وسارعت المعارضة السورية الى رفض التحاور مع النظام في دمشق، وأكّد رئيس “الإئتلاف الوطني السوري” أحمد الجربا أنّها لا تقبل إلّا بالتفاوض لترتيب شروط تسليم السلطة ومحاكمة كلّ من ارتكب جرائم حرب بحق الشعب السوري. ولفت الى أنّ المعارضة طلبت الحصول على ضمانات عربية وإسلامية قبل بدء أيّ عملية تفاوضية. كذلك أعلن رفض المعارضة لقيام إيران بدور الوساطة في المفاوضات ما لم تنسحب قوات “الحرس الثوري الإيراني” و”حزب الله” من سوريا.
كيري وروحاني
وإلى الإشادة الأميركية، سُجّل ترحيب أميركي بالتصريحات الإيرانية، فوصف كيري الخطاب الانفتاحي للرئيس حسن روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنّه “مشجّع”، لكنّه قال: “ليس الكلام وحده ما سيحدث الفرق، بل الأفعال”.
في المقابل، أكّد روحاني عزم بلاده على حلّ القضية النووية خلال فترة قصيرة، مُشدّداً في الوقت نفسه على حق إيران المشروع في امتلاك التقنية النووية في إطار معاهدة “ان بي تي”، مبدياً استعداد بلاده لإزالة نقاط الغموض في إطار المفاوضات مع مجموعة “5+1″.
حكومة وحوار
وفي هذه الأجواء الدولية والإقليمية، دعا رئيس الجمهورية الفرقاء السياسيين الى الإفادة من الدعم الدولي للبنان من خلال اجتماعات المجموعة الدولية التي اجتمعت في نيويورك، والعمل لملاقاة هذه الفرصة بتأليف حكومة جديدة يتشارك الجميع المسؤولية فيها، وكذلك العودة الى هيئة الحوار.
أمّا رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي واصل لقاءاته في جنيف، فنبَّه الى”أنّ ما يجري في سوريا يمسّنا جميعا، وهو لا ينعكس على دول الجوار فحسب بل على المنطقة بأسرها، مشدّداً على أن لا حلّ في سوريا من دون الذهاب إلى جنيف للحوار وتحقيق الحل السياسي”.
هجوم جنبلاطيّ على الأسد
في هذا الوقت، لفت الهجوم العنيف الذي شنّه رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط على الأسد، معتبراً أنّه “عندما يتأمّل المرء أين أصبح الجيش العربي السوري الذي سجّل بطولات في حرب تشرين ووصل إلى مشارف بحيرة طبريا واحتلّ رادارات جبل الشيخ وقاتل في سعسع وسواها وأسر جنود إسرائيليين، تراه اليوم يأتمر بشخص يعاني من انفصام في الشخصية ويُصرّ منذ اللحظة الأولى على أنّه يُقاتل الإرهابيين بدل تلبية المطالب المشروعة للشعب السوري في الحرّية والكرامة والتحرّر من النظام المخابراتي فأصرّ على الإستفحال في الحلّ الأمني”.
رعد في بعبدا
وأمس التقى رئيس الجمهورية رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد. وأدرجت مصادر قصر بعبدا اللقاء في إطار اللقاءات الدورية والروتينية التي تعقد كلّ فترة كلّما دعت الحاجة لذلك، مشيرة الى انّ العلاقة بين الطرفين جيّدة ويسودها الإحترام، وقد تمّ الاتفاق على اللقاء منذ يوم الجمعة الماضي بعد عودة سليمان من نيويورك.
وقالت المصادر لـ”الجمهورية” إنّ البحث تناول مختلف التطورات من جوانبها المحلية والإقليمية والدولية، والمساعي الجارية لتأليف الحكومة الجديدة. واكتفت بالقول: “كلّ شيء على حاله، والمواقف على حالها، وليس هناك ايّ تقدّم على أيّ مستوى، ولم يتغيّر شيء الى الآن.
وأكّدت المصادر حرص رئيس الجمهورية على التواصل مع مختلف الأطراف “علّ وعسى يأتي الفرج من مكان ما”.
ووضع سليمان رعد في نتائج لقاءاته في نيويورك والأجواء التي يعيشها المجتمع الدولي والتأكيدات الدولية على أهمّية النأي بالنفس وإبعاد لبنان عن أتون التردّدات السورية على قاعدة إحترام “إعلان بعبدا” وما رافق إجتماع “المجموعة الدولية من أجل لبنان” من مواقف وتعهّدات.
ولفتت المصادر الى انّ سليمان كان واضحاً وصريحاً عندما شدّد على أهمية وقف كل أشكال التورط في الأزمة السورية. وأكّد مجدّداً لرعد ضرورة تجنيب لبنان المزيد من الخضّات، مُكرّراً أمامه مواقفه السابقة “من دون كفوف”.
وأكدت المصادر انّ اللقاء شكّل مناسبة للبحث في ملف المخطوفين اللبنانيين التسعة في إعزاز، وجرى تبادل المعلومات بما يوحي بوجود مؤشّرات إيجابية تفوق ما كان متوفراً في المحاولات السابقة الى حدود الحديث عن فرصة جدّية هذه المرّة.
وقال احد اهالي المخطوفين دانيال شعيب لـ”الجمهورية” ليل أمس إنّ هناك اتصالات ايجابية على خط الدول التي تساعد في العمل وإنّه ينتظر إشارات إيجابية نتيجة الحراك القائم في لبنان والدول المعنية بهذا الملف.
فلينتظروا طويلاً
وكان رعد استبق زيارته الى بعبدا بإعلان موقف متشدّد من تأليف الحكومة، فقال: “إذا كان تأليفها مرتبطاً بإسقاط معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” فلينتظروا الحكومة طويلا”، مُتسائلاً: “إذا خرجت هذه المعادلة من أيّ بيان وزاريّ لأيّ حكومة مقبلة يراد تأليفها، فماذا يبقى من لبنان، وماذا يبقى من الوحدة الوطنية فيه، وماذا يبقى من البيان الوزاري لتلك الحكومة التي يراد لها أن تتألف”؟ وأضاف: “نريد معهم على رغم نظرتنا إليهم، تشكيل حكومة جامعة تتمثّل فيها المكوّنات السياسيّة في لبنان، بأحجامها التمثيليّة في المجلس النيابي”.
وفي الوقت الذي تُطرح فيه صيغ حكومية مختلفة، جدّد حزب الكتائب دعوته الى تأليف حكومة إنقاذ وطنيّ مُستندة الى إعلان بعبدا، في تمايز لافت عن طروحات 14 آذار التي تضغط في اتجاه تأليف حكومة جديدة ووفق شروط. وقال رئيس الحزب أمين الجميّل الذي زار قصر بعبدا أمس والتقى سليمان بعيداً من الأضواء، كما علمت “الجمهورية”، إنّ مسألة الحصص والأعداد والأثلاث تصبح من التفاصيل وقابلة للبحث في حال الاحتكام الى إعلان بعبدا.
جعجع: لستُ مرشّحاً
واعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، أنّه “منذ ستة أشهر كان الوضع مختلفاً بموضوع تشكيل الحكومة، والانتظار من قبل رئيس الجمهورية والرئيس المكلف كان مفهوماً، وأمّا اليوم فلا مبرّر لسليمان وسلام للانتظار، فالمقاييس التي وضعاها يعرفان رأي الأفرقاء بها، وأحترمهما لأنّهما من القلائل الذين يؤمنون بالجمهورية، أمّا الانتظار فبات مضرّاً جداً”.
وأضاف: “على الرئيسين أن يأخذا الخطوات اللازمة، وليشكّلا الحكومة التي يؤمنان بها، وإذا لم يستجيبا سيصبحان مسؤولين عن تعطيل النظام، والحكومة التي يمكن أن تمرّ هي أن تكون لا 8 ولا 14 وأن تضمّ شخصيات مهمّة ومحترمة، وإذا قام حزب الله بثورة فليقم بها، بالأمس أقام الحزب حواجز ثمّ سارع مطالباً الدولة بتسلّم الأمن”.
وفي الاستحقاق الرئاسي قال: “الرئيس سليمان، وبكلّ صدق، ليس لديه أيّ نيّة للتجديد، لأنّه لو كان ينوي التجديد لما كان اتّخذ هذه المواقف منذ ستة أشهر حتى اليوم”، ولكن حتى لو كانت النية موجودة لدى سليمان، يجب الذهاب الى انتخاب رئيس جديد، وفي حال لم تذهب الكتل النيابية للانتخاب، تكون قد ارتكبت خيانة عظمى. فانتخاب رئيس الجمهورية واجب وطنيّ على كلّ نائب وكتلة نيابية”.
وحول ما إذا كان مرشّحاً لرئاسة الجمهورية، قال: “الآن لست مرشّحاً ولكن يمكن أن أقوم بذلك في أيّ وقت من الأوقات، ولن أخجل عندما أرى أنّ الوقت مناسب لأتقدّم بترشيحي”.
ميقاتي: المحكمة والنفط
إلى ذلك، استمرّ السجال حول عقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء للبحث في ملف النفط. وفيما لم يزُر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قصر بعبدا أمس كما كان متوقعاً، بعد أن اتفق وسليمان على اللقاء ليلاً عند صديق مشترك في حضور جمع من الوزراء والسياسيين، أكّدت مصادره لـ”الجمهورية” انّه جمّد البحث في ملفّي النفط والمحكمة. وقالت: “سحبنا هذين الملفّين من التداول نهائيا”.
وأوضحت المصادر أنّ لقاءه والوزير علي حسن خليل أمس تناول ما يتصل بعمل وزراة الصحة في ضوء الظروف الراهنة، وقضايا أخرى، من دون الدخول في أيّ تفاصيل.
وفي السياق النفطي أعلن جنبلاط أنّه “مع عقد جلسة لمجلس الوزراء من أجل بحث ملف النفط”، مشيراً إلى أنّه “لم يكن في أيّ وقت ضد عقدها، وكان يعمل من اجل تأليف حكومة لحلّ هذا الملف”.
ولفت جنبلاط في حديث تلفزيوني الى انّ “الجميع سبق لبنان في هذا الموضوع من الدول المجاورة”، مشدّداً على أنّ “نفط لبنان مهدّد، وهيئة إدارة قطاع النفط هي مَن تحسم النقاش في هذا الملف”.
نحّاس إلى واشنطن اليوم
إلى ذلك، يغادر وزير الإقتصاد والتجارة نقولا نحّاس الى واشنطن صباح اليوم للانضمام الى وفد لبنان في اجتماعات البنك الدولي التي ستبدأ اليوم في العاصمة الأميركية، إلى جانب وزير المال محمد الصفدي وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة اللذين وصلا تباعاً إلى هناك.

