تأكَّد لي أمس أننا في ورطة كبرى. لقد انزلقنا باندفاع ورعونة الى أخطر مراحل التباعد والاختلاف المغمَّس بالكثير، لا بالقليل، من النفور من الآخر، وربما بالكراهية أيضاً.
لذا رأيت أن أخصّص "نهاريات" اليوم لحديث كان لي، مع صديق مميَّز بترفُّعه، ونجاحه في مهنته، ونزاهته، وانصرافه بعيداً من السياسة وشجونها وطوائفيّتها التي تخلّصت من ورقة التين.
هذا الصديق فاجأني أمس بتخلّيه عن عاداته، وإعلان غضبه ونقمته على ما يحصل في لبنان وله منذ دهور، معلناً اقتناعه بالتقسيم: شبعنا حروباً ودكّات ورعبات، أجيال بكاملها ضَيَّعت أعمارها، وتخلَّت نهائياً عن التمسُّك بالأوهام والأكاذيب. لا، ليس لنا إلا التسليم بالأمر الواقع.
سألته: وما هو الأمر الواقع؟
قال جازماً: التقسيم. تقسيم البلد المقسَّم منذ لحظة ولادة استقلاله الصوَري. لم نعرف الاستقرار ولا الطمأنينة، منذ وعينا على الدنيا. ولم يعرفها أهلنا قبلنا. كما لم يعرفها أبناؤنا بعدنا. حروب وثورات وأزمات. ناس مع سوريا. ناس مع إيران. ناس مع السعودية. ناس مع تركيا. ناس مع أميركا. ناس مع فرنسا. ناس مع روسيا. ناس مع الصين. ناس مع السند والهند. ولكن ليس بينهم ناس مع لبنان إلا بقيود وشروط.
– وما هي هذه القيود والشروط؟
قال غاضباً: السلطة والهيمنة والثروات والمناصب. وإلا أشهروا فوراً تمرَّدهم والتهديد بمن يسندون إليهم ظهورهم. وحالاً تبدأ الدواليب ونارها بقطع الطرق وإعلان العصيان.
قلت، محاولاً تهدئة سورة غضبه: معك كل الحق في كل ما قلته، وفي كل ما يثير نقمتك. ولكن، على رغم كل ما شهدنا وعشناه من أهوال ومآس، ولا نزال نسبح في بحره من فساد ونهب وسلب وابتزاز، لا يزال الناس بعيدين من التعصُّب، ومن الكراهية. ما يصدر عن البعض قابلٌ للتبدُّل والتغيير.
قاطعني معترضاً: لا تؤاخذني، يبدو أنك بعيدٌ عن واقع الناس وحالهم، وأين صاروا. الطائفيَّة والمذهبيَّة منتشرتان في كل أرجاء هذه الجغرافيا السائبة، والمسبيّة من الدويلات والمربَّعات الأمنية. البلد طائفي حتى الثمالة. وآن لنا أن نعلن هذه الحقيقة.
دهمتني الحَيرة. إنه على حق في كل كلمة يقولها. إلا أنه أعادني الى الموضوع بسؤاله "الى أين رايح البلد، ومتى يرجع الوضع الطبيعي، ونعيش كما يعيش كل الناس"؟
أجبت مازحاً وضاحكاً: رائحون الى مزيد من الانتظار. انتظار الوضع في سوريا. ثم مصر. ولا تنسَ إيران والعراق.
قال: ومتى يكون ذلك؟ في سنة سنتين، أو عشر سنين، أو عشرين؟ متى يصير لبنان وطناً، ومتى ينتمي اللبنانيون الى هذا الوطن، ومتى يصير الوطن فوق وقبل الطائفية والقبلية؟
قلت لصديقي، الرائع في غضبته: تعالَ نردّد مع عمر الخيّام "علينا أن نكتم الحزن لأن العصافير الجريحة تختبئ لتموت".

