ادارة الرئيس باراك اوباما اختارت بعد الارتباك اعادة التموضع كما توحي زيارة الرجل الثاني في الخارجية وليم بيرنز الى القاهرة. وليس ذلك خارج التوقعات في زحام الخيارات حين تكون المصالح الاستراتيجية في الدق. فالدولة العظمى التي راهنت على حكم الاخوان وموجة الاسلام السياسي كقدر للمنطقة وفرصة للمصالح الاميركية، تلعب الورقة على الوجهين كالعادة: تبكي على محمد مرسي، ثم تمسح الدموع للتحادث مع القادة الجدد. تعيد القراءة في ما حدث، فتعترف بلسان بيرنز بانه الموجة الثانية من الثورة. وترى خارطة المستقبل فتطالب بتطبيقها لنجاح العملية السياسية عبر دستور جديد وانتخابات نيابية ورئاسية بما يضمن مستقبل الديمقراطية في مصر ومستقبل العلاقات الاميركية معها.
والناقص في كلام بيرنز يبدو كاملاً وحاسماً في كلام الفريق أول عبد الفتاح السيسي. فوزير الدفاع المصري يرسم صورة الاحداث كما هي على الأرض وفي الكواليس. خلاصة الصورة ان حكم الاخوان سقط شعبياً ثم جرى اسقاطه عسكرياً، بعدما رفض مرسي الاحتكام الى الشعب بالدعوة الى استفتاء. لكن الأهم هو تسليط الضوء على الأساس وراء السقوط والاسقاط، بالقول ان رؤى الثورة للمستقبل نزلت عليها عتمة لا تقبلها طبائع عصور التنوير والمعرفة والكفاية. ولم يكن ممكناً التسليم بترك مصر للظلامية أو الفاشية باسم الدين بحجة ان صندوق الانتخاب جاء بها في لحظة قدرية مشغولة بتواطؤ عملي على الثورة، قبل ان يكتشف الشعب مخاطر اللعبة ويقرر وقفها.
ذلك ان الخطر لم يكن فقط على شعب مصر وقضاياه المحلية، بل أيضاً على دور مصر وقضايا العرب. فلا مجال لإخراج العرب من الوقوع الكامل أسرى التنافس على النفوذ في العالم العربي بين القوى الاقليمية الثلاث: تركيا وايران واسرائيل، الا باستعادة مصر لدورها القومي. ولا شيء يضمن نجاح هذا الدور سوى التكامل بين اوراق القوة الناعمة والخشنة في مصر: القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية في دولة مدنية ديمقراطية، والقوة العسكرية الملتزمة الأمن القومي لمصر والعرب.
فضلاً عن انسحاب التجربة في مصر على البلدان العربية، بحيث يصبح التغيير الديمقراطي حجر الأساس في كل بلد. فلا اجندات الاصوليات الظلامية مؤهلة لحل أية مشكلة في العالم العربي، ولا القوى الدينية قادرة على حكم أي بلد عربي حين تسقط في مصر، حيث المنبع التاريخي لكل هذه القوى.
والمسألة في البداية والنهاية هي السياسة لادارة شؤون الناس على الأرض، لا توظيف الدين في السياسة لتصبح ادارة شؤون الناس في السماء. وليس توظيف الدين في السياسة سوى خديعة سياسية باسم الدين

