بقي الحدث الصيداوي طاغياً بامتياز أمس، من الحشد الشعبي الكبير الذي لبّى دعوة مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان إلى صلاة الجمعة الموحدة في جامع الزعتري، إلى الجولة التي قام بها نائبا المدينة الرئيس فؤاد السنيورة وبهية الحريري على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إلى الاجتماع مع قائد الجيش العماد جان قهوجي ومدير المخابرات العميد أدمون فاضل والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء محمد خير ومدعي عام التمييز بالإنابة القاضي سمير حمود، حيث تركّز البحث على بنود المذكرة التي تطالب بإحالة ملف أحداث صيدا ـ عبرا على المجلس العدلي، ومنع المظاهر المسلحة وإخلاء كل الشقق والمكاتب التي تستخدمها المجموعات المسلحة في منطقة عبرا ومحيطها وفي أحياء المدينة، ووقف رفع الأعلام والرايات الحزبية في مختلف الأحياء والمناطق ومنع أي ممارسات استفزازية من أي فريق كان، وملاحقة المخالفين والمخلين بالأمن.
غير أن اللافت كان الموقف الذي أدلت به الحريري بعد انتهاء الاجتماع مع ميقاتي حيث اعتبرت أن "ما حدث يوم الأحد الماضي في صيدا، 14 شباط جديد بالنسبة لنا" في إشارة إلى يوم الجريمة الكبرى التي وقعت بحق لبنان باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذي كان مقدمة لفتنة خطط لها منفّذو الجريمة، لكن وعي وإرادة جمهور الحريري أحبط مخطط المجرمين، كما نجح أهالي صيدا في إحباط مخطط الفتنة التي أرادوا إشعالها الأحد الماضي.
وفي موازاة الحدث الصيدواي وعلى وقعه، كانت شوارع وأحياء مدينة طرابلس وبعض مناطق البقاع الأوسط وبيروت، تشهد حراكاً شعبياً ضد الممارسات التي سجّلت في صيدا، في حين سجل انفجار عبوتين ناسفتين فجر أمس، على الطريق السريع التي تربط المدينة ببعلبك شرقاً وشتورة جنوباً، مقابل محطة جورج الهراوي للمحروقات أظهرت النتائج الأولية للتحقيقات أنهما مصنعتين محلياً وقد زودتا بقذيفتي هاون وفجرتا لاسلكياً وخلفتا أضراراً مادية طفيفة.
مصادر أمنية لم تؤكد أو تنفِ لـ"المستقبل" ما تردد عن أن الانفجارين استهدفا موكباً يضم أربع سيارات رباعية الدفع لـ"حزب الله" كان متجهاً من بعلبك الى البقاع الأوسط أو بيروت، وأن من كان في السيارة وبعيد وقوع الانفجارين عمد الى إطلاق النار في الهواء ومن ثم تابع الموكب سيره، فيما قالت معلومات أخرى إن "المسلحين ضربوا طوقاً أمنياً لدقائق في محيط الحادث ومن ثم غادروا" .
وخارج هذا السياق، كان النائب ميشال عون يشنّ هجوماً صاعقاً على قائد الجيش والتمديد له، طارحاً جملة إشارات إلى نيته التصعيد مع حلفائه و"حلفاء حلفائه" وصولاً إلى القطيعة.
وحول الموضوع نفسه، دعا النائب بطرس حرب الى "حصر جدول أعمال الجلسات العامة لمجلس النواب أعمالها بالبند 19 المتعلق بقيادات القوى العسكرية والأمنية دون غيرها، لأن الاقتراحات ومشاريع القوانين الأخرى الواردة في الجدول لا حاجة مستعجلة الى إقرارها وهو ما يشكل مخالفة دستورية كبيرة لا يمكن القبول بها".
رفع الحصانة
إلى ذلك، رفع النائب العام التمييزي بالإنابة القاضي سمير حمود أمس، مذكرة الى وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال شكيب قرطباوي، تتضمن طلب رفع الحصانة عن النائب عاصم قانصوه حول التصريح الذي أدلى به يوم الأربعاء 19 الجاري وتناول فيه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. وفي رد على هذا الإجراء، أعلن قانصوه أن "الدعوى التي أقامها رئيس الجمهورية ضده، وكلف بها وزير العدل بمعنى رفع الحصانة عندما تصل الى مجلس النواب يكون لنا رأي بالقانون سواء بالشكل أو بالمضمون".
مذكرة..
وكان رئيس الجمهورية استقبل في بعبدا الرئيس السنيورة والنائب الحريري والمفتي سوسان ورئيس البلدية محمد السعودي وناشطين من المجتمع المدني في المدينة، الذين سلّموه مذكرة حول تطورات الأوضاع الأمنية في صيدا. وأبدى السنيورة والحريري ثقتهما الكاملة برئيس الجمهورية، طالبين أن "يوعز الى المعنيين بوجوب التعاطي في مرحلة ما بعد العملية، بما يعيد الثقة بالدولة وبمؤسساتها كافة وفي طليعتها الجيش" وأعربا عن دعمهما له، مشددين على "رفض المدينة بفاعلياتها دخول أي تطرف اليها".
ولفتت المذكرة إلى أن "المدينة تشهد حالياً حالة من تصاعد القلق والمخاوف حيال بعض الوقائع والممارسات التي تُسجل في المدينة ومحيطها، من الملاحقات والتوقيفات العشوائية بحق عشرات الشبان والقيام بالمداهمات التي تطال أماكن سكنية، خلافاً للأصول القانونية، مما يثير الغضب والذعر والرعب في صفوف المواطنين، ويؤدي بالتالي إلى التسبب بنقمة شعبية عارمة، ولا سيما أن ذلك يترافق مع القيام ببعض الملاحقات لأشخاص لا إشكال عليهم ولم يشاركوا في أي أعمال تتصل بالمشكلة التي حصلت لا من قريب أو بعيد".
وأشارت إلى "عودة بعض المجموعات المسلحة التابعة لحزب الله وما يسمى بسرايا المقاومة وبعدد أكبر من السابق مع كامل سلاحهم وعتادهم الى شقق ومكاتب لهم في منطقة عبرا ومحيطها، وظهور كثيف للسلاح في أيدي المجموعات التابعة لحزب الله وسرايا المقاومة وحلفاء الحزب في صيدا، استناداً إلى تصاريح حمل أسلحة معطاة له، ورفع الأعلام والرايات الحزبية في أكثر من منطقة وحي في مدينة صيدا بطريقة استفزازية".
وطالبت المذكرة بـ"وجوب إحالة ملف أحداث صيدا ـ عبرا على المجلس العدلي، حيث أن الأحداث التي عصفت بصيدا من شأنها أن تهدد السلم الأهلي والأمن الداخلي للوطن، وحيث أن هذه الأحداث تحمل آثاراً ومخاطر على مستوى كل الوطن. وعليه، فإننا نرى ضرورة إحالة هذا الملف على المجلس العدلي أصولاً، وبأسرع وقت ممكن، وضرورة قيام مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالتحقيق شخصياً في أحداث صيدا ـ عبرا ريثما يُحال الملف على المجلس العدلي".
كما طالبت بأن "تضع الأجهزة المعنية المختصة لائحة محددة بأسماء الأشخاص الملاحقين وتحديد دورهم في تلك الأحداث، وعدم التوقيف العشوائي لمجرد كون الشخص المعني كان مؤيداً للشيخ أحمد الأسير أو أنه كان يتردد الى مسجد، وعدم التوقيف على أساس الالتزام الديني أو على أساس الشكل (إطلاق اللحى).
سليمان
ولفتت مصادر بعبدا لـ"المستقبل" إلى أن اتصالات رئيس الجمهورية "لا تزال نشطة مع جميع القوى السياسية المعنية للملمة تداعيات أحداث عبرا وتحفيف الاحتقان الحاصل، ولذلك فإن هذه الاتصالات مستمرة مع القيادات الصيداوية وحزب الله لإزالة كل ما من شأنه إعادة توتير الأجواء".
أضافت "يركّز الرئيس سليمان أيضاً على العمل على تخفيف الاحتقان ضد المؤسسة العسكرية التي تمرّ بوضع حساس ودقيق، من دون أن يعني ذلك عدم معالجة الأخطاء والخلل الذي حصل، فهي حامية وحاضنة لجميع اللبنانيين، لكن يجب أن يتم ذلك ضمن إطار المؤسسة العسكرية وقوانينها وأسسها بعيداً عن الصراخ، بل بالحكمة والتروي والبعد عن الاستعراض الإعلامي، لأن تعرية مؤسسة الجيش هو تعرية لجميع اللبنانيين".
وعلى الصعيد الحكومي، لفتت المصادر إلى أن "لا جديد بالرغم من أن رئيس الجمهورية التقى الوزير وائل ابو فاعور مرتين بعيداً عن الإعلام بعد عودته من السعودية ولقائه الرئيس سعد الحريري ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل".
وأشارت المصادر إلى أن "الأجواء التي حملها أبو فاعور من الرياض تبقي الأمور على حالها، وبالتالي قد تستمر فترة تصريف الأعمال للمرحلة المقبلة بانتظار أن يطرأ شيء إيجابي على الساحتين الداخلية والإقليمية".
إلى ذلك، افتتح الرئيس سليمان الحملة المدنية "بيكفي خوف" التي تقوم بها مجموعة من ناشطي المجتمع المدني الصيداوي من صيدا الى كل لبنان في أعقاب الأحداث الأخيرة في عبرا، حيث وقع أول توقيع على عريضة "بيكفي خوف" التي ستعم لاحقاً كل لبنان، وتعلن تمسك المواطن اللبناني بحقه المدني في العيش بسلام في دولة الحقوق والواجبات".

