قالها نديم الجميل بالفم الملآن: اقتراح «اللقاء الأرثوذكسي» الانتخابي «صنيعة» رستم غزالي. تنكّر «الشيخ» لزرّ الأرزة المعلّق على سترته، وتنكّر لصلات «الرحم» الأبوية التي تربطه بمعراب، وتناسى أنّ «الكتائب» و«القوات» بصمتا، صوتاً وصورة، على الاقتراح أمام البطريرك الماروني… ومشى وراء حملة «الأزرق» في ضرب المشروع.
قبله اعتبر طلال المرعبي أن الاقتراح هو نتاج معمل الوصاية السورية، وتخوف «زميله» أحمد فتفت من تهديد العيش المشترك، وكال رفاقهما سيلاً من النعوت والاتهامات بحق المشروع. إذاً هي أوصاف متعددة لموقف واحد: لا لمشروع «اللقاء الأرثوذكسي». أمر عمليات واضح صدر من وادي أبو جميل يقضي بلطم الاقتراح الذي نجا من حلبة مصارعة الرباعي المسيحي، ونال موافقة أركانه بعد جولات ماراتونية.
بالنسبة الى «تيار المستقبل»، لا مجال للمناورة هنا. أن ينجح الاقتراح في تأمين موجة تأييد لصالحه، تحمله سليماً إلى تحت قبة البرلمان، فتلك كارثة ما بعدها كارثة. يدرك أنّه أول المستهدفين وآخرهم. فتلك القوائم المذهبية، في حال قيامها، ستلتهم من صحنه مقاعد، لا تعدّ ولا تحصى، ما يسرق منه يافطة «الحصرية» في الشارع السني. ولذا لا بدّ من التصدي له باكراً وتقطيع أوصاله قبل خروجه من اللجنة الفرعية.
بدا «أمر اليوم» الأزرق «أنانياً» بامتياز، حيك على قاعدة «أنا ومن بعدي الطوفان»: فهو غير معني بهواجس شركائه المسيحيين، سواء كانوا حلفاء أم خصوما، وغير مهتمّ بالخلل التمثيلي الموروث، الموقّع بحبر قوانين الانتخابات المجحفة. ولا هو مضطر للوقوف على خاطر «رفاقه» القواتيين والكتائبيين الذين قرروا السير بالمشروع، مرغمين لا أبطالا.
وهنا بيت القصيد. وجد سمير جعجع نفسه وحيداً في معركة «الأرثوذكسي»، لا بل مرجوماً من جانب حلفائه. بالكاد أمين الجميل إلى جانبه، يواجه المصير ذاته.
في معراب، تكدّست المقالات الصحافية والبيانات السياسية المنسوخة copy paste عن بعضها البعض، وكلها تغرف من معجم واحد: الويل لمن يصفّق للاقتراح «المشعوذ»! للوهلة الأولى ظنّ القواتيون أنّهم صاروا جزءاً من «محور الشر»، لا ركناً أساسياً من «ثورة الأرز». صاروا المستهدفين من جانب رفاقهم «الزرق»، ومن يدور في فلكهم. باتوا متساوين مع الخصوم في التهمة… لا خبز ولا ملح نفع معهم.
بطبيعة الحال عضّت معراب على جرحها. ليس من عاداتها أن تنشر «الغسيل الوسخ» أمام «الجيران». تفضّل تنظيفه داخل الجدران المغلقة. الضجيج الذي اندلع من حولها، أزعجها، لكنه لم يخرج الماء من فمها. ليست المرّة الأولى التي تشعر فيها أنّ حليفها «الأزرق» لا يعاملها على طريقة الند للند، أو على مستوى الطموحات والآمال المتوقعة منه… ورغم ذلك سكتت على مضض. لا يغريها الأسلوب «الجميليّ» في وضع الأصبع على الجرح، في فضح المستور. ولكن يحزّ في قلبها «الدلال» الذي يكنّه «حزب الله» بالذات، لخصمها الأول والأخير، ميشال عون.
في كتاب العلاقة الثنائية بين معراب ووادي أبو جميل، والذي لا يُفتح أمام العموم، الكثير من المحطات الخلافية، والتي لم يحن بعد وقت نشرها. تباينت وجهات النظر بين سعد الحريري وسمير جعجع حول أكثر من ملف، لكنّ الثاني رفض دوماً استثمار التباعد الموضعي في الإعلام حفاظاً على «قدسية» هذه العلاقة وهيبتها أمام الجمهور. يريد «القائد القواتي» أن يكون نموذجياً في تفاهمه مع «الشيخ»، ومن ورائه مع الشارع السنيّ. أن يكون متفانياً في سبيل إنجاح هذه العلاقة وتمتين صلاتها. ولهذا تهون كلّ النزلات، في سبيل الطلعات.
في الذاكرة السياسية لمعراب تتخزّن الكثير من الصور، التي قدّمت فيها القوات بعضاً من رصيدها لدعم حليفها المستقبلي، في حين تفتقد لمشاهد تمثل «ردة الإجر» على السلوك القواتي. لا بل تفيض بمحطات تنازلية «كرمى عيون» التفاهم الآذاري، من دون أن يكلّف «المستقبليون» أنفسهم عناء، التراجع ولو قليلاً، حفاظاً على وحدة الصف مع الحلفاء.
يوم السابع من أيار 2008، نزل سمير جعجع بنفسه إلى السرايا الحكومية لمساندة فؤاد السنيورة المحاصر بنيران الدواليب المحترقة في شوارع العاصمة. في حين أنّ الثاني لم يجد سبباً مقنعاً يحمله من السادات تاور إلى القلعة الكسروانية لمشاركة قوى الرابع عشر من آذار في اجتماعها التضامني الموسّع مع الرجل الذي تعرّض لمحاولة اغتيال.
يوم قرر «الشيخ سعد» إدارة ظهره لتاريخه الخلافي مع النظام السوري ليعبر بوابة المصنع على قاعدة فتح صفحة جديدة مع بشار الأسد، المصنّف وفق القائمة الآذارية، متهماً رئيساً في اغتيال رفيق الحريري، لم يسأل أياً من حلفائه عن رأيهم بهذه الخطوة الانقلابية. كما لم يناقشهم، لا في حرفية مواقفه من شهود الزور، ولا في عمومياته. فاجأهم كما فاجأ خصومهم. لكن جعجع مرّة جديدة، غطى حليفه في الشارع المسيحي ولطّف استدارته السورية وجمّلها ببعض الديكور.
في كلّ الحكومات التي ركّبها «تيار المستقبل»، لم ترتق الحصّة القواتية إلى مرتبة الحقيبة السيادية أو حتى الخدماتية من الصف الأول. التنازل هنا واجب مجانيّ على معراب. بينما «حزب الله» مستعد لوقف حركة المشاورات الحكومية، لأسابيع وأسابيع، بانتظار أن يومئ جنرال الرابية رأسه نزولاً.
في الانتخابات الأخيرة، تنازل «القواتيون» عن ترشيح وهبة قاطيشا في عكار، وقبلوا على مضض عودة سيرج طورسركيسيان إلى الندوة البرلمانية، لأنّ «القيادة العليا» أمرت بذلك. في حين أن قيادة حارة حريك اضطرت إلى استبدال خريطة الترشيحات الشيعية رأساً عل عقب، لأنّ عقدة جزين ما كانت لتحلّ إذا لم «يقشّها» القاشوش البرتقالي بالكامل.
حتى في الثورة السورية، صارت معراب «إخونجية» تناغماً مع موقف «المستقبل»، وحمت رأس عقاب صقر من «النيران الصديقة»، رغم عدم اقتناعها بفيلم «التسجيلات الطويل» الذي لا يطعم خبزاً… وبلعت الموسى لأنّ سُمعة الحلفاء لا تمسّ.
أما لقانون الانتخابات النيابية، فرواية أخرى.
كان سمير جعجع أمام شرّين، أحلاهما مرّ: إمّا ترك الساحة أمام العونيين لاستثمار دفاعهم عن حقوق المسيحيين تمثيلاً، عبر التمسك باقتراح «اللقاء الأرثوذكسي»، بعدما قرّر «البرتقاليون» اللعب «صولد» في آخر أوراقهم. وإمّا السير عكس تيار حلفائه «الزرق»، الذين «يلعنون» هذا الاقتراح، والبصم عليه مهما كانت العواقب. لم يُترك لمعراب خيار ثالث: العودة إلى «قانون الستين» مستحيلة، ستدفّع القواتيين أثماناً باهظة، لن تعوضها أبداً إغراءات وادي أبو جميل وتقديماته.
أكثر من مرّة أبلغت «القوات» سائليها من الحلفاء، أنّها محرجة في النقاشات حول قانون الانتخابات. المسايرة مكلفة جداً ولا يجوز التنازل عن حقوق أبناء الطائفة. حاولت إقناعهم باقتراح «الخمسين دائرة» الذي جرى التوافق عليه مع بكفيا، كحلّ وسطي بين الفريقين. لكنها كانت تواجه دوماً بعقدة وليد جنبلاط. تحجّج به «الزرق» لوضع العصي في دواليب الاقتراح القواتي ـ الكتائبي. وقد يكون رضى المختارة أهم من رضى معراب، بالنسبة إلى وادي أبو جميل. وصلت المفاوضات مع السادات تاور إلى حدّ عرض إجراء بعض التعديلات على المشروع كي ينال الموافقة الجنبلاطية، لكن الوعود اللفظية شيء، والسلوك السياسي شيء آخر.
على مسامعها ردّد «المستقبليون» أكثر من مرة أنّهم مستعدون للتصويت إلى جانب هذا الاقتراح. ولكن كلام الجلسات المغلقة تمحوه طلات المنابر المدوية. وبدا أن استراتيجية تضييع الوقت تختصر كل أداء الفريق «الزرق» من هذه المسألة. وطار الاقتراح، ليس لضعفه وإنما لتلكؤ الفريق الآذاري عن إدارة حملة سياسية – إعلامية تمكّنه من إزاحة الاقتراح الذي تقدّم به «تكتل التغيير والإصلاح». وهنا أيضاً «الحق» على الحلفاء.
ما كان بالإمكان إلّا ترفيع شأن مشروع «اللقاء الأرثوذكسي». فآخر الدواء الكيّ. أراد سمير جعجع أن يثبت فعلاً لا قولاً، أنّه هو أيضاً يقدّم مصلحة المسيحيين على كلّ اعتبار، وأنّ ما يحكى عن مناورات يختبئ خلفها في جلوسه إلى طاولة النقاشات البطريركية، هو من صنع خيال كارهيه، ولا يمتّ للواقع بصلة. ولذا سيرجم «قانون الستين» تشريعاً وليس تصريحاً فقط. فقامت الدنيا ولم تقعد…
سخّن «المستقبليون» كلّ الجبهات. ضربوا بمصالح حلفائهم عرض الحائط. أقفلوا آذانهم عن كل صوت يقضم من مقاعدهم، مقاعدهم وحدهم، حتى لو كان من قريب. تركوا حلفاءهم يغرقون في مستنقع المزايدة على المصلحة المسيحية من دون أن يرفّ لهم جفن. فقط لأن اللعب صار في ساحتهم.
ولسخرية القدر، أنّ النائب جورج عدوان هو الذي ثمّن تأييد الرئيس نبيه بري للمشروع «الأرثوذكسي» انطلاقاً من تأييده للاتفاق المسيحي حوله. أما حلفاء عدوان، فتكفّلوا بالباقي…

