الفدرالية تتقدّم على رؤوس أصابعها

عندما يكون دستورك اتفاق الحد الأدنى ممّا تقبله، لماذا تريد قانوناً انتخابياً يجسّد الحد الأقصى من مصلحتك؟ وعندما يكون دستورك قائماً على فدرالية طائفية، تسمّى تلطيفاً "العيش المشترك"، لماذا ترفض قوانين انتخابية مُستلهمة من الفدرالية الطائفية، وتصفها بالمسيئة إلى الميثاق والعيش المشترك.

حفل تكاذب عمره مئة سنة، على الأقل. لماذا الطائفية مقدسة في الترشيح، وبغيضة في الاقتراع؟ إذا كنت كاثوليكياً، حتى لا نقول درزياً مثلاً، وأنت كسرواني منذ مئة سنة، وكل كسروان يحبك، ممنوع أن تترشح في كسروان. في المقابل، ثمة ماروني من عكار لا يعرفه أهل كسروان، يمكنه أن يصبح نائباً كسروانياً ولو نال تسعة أصوات.

لماذا الماروني من عكار يمكنه أن يترشح في كسروان، وماروني آخر من عكار ممنوع أن ينتخب مارونياً من كسروان؟ أعرف أن القانون الارثوذكسي قد لا يمرّ، وقد يحتاج الى دورة العام 2017 ليُهضم او ليسقط نهائياً، ولكن بالله عليكم لا تصفوه بالرجعي.

وهل، يا تقدميون، قانون الستين عصارة الفكر التقدمي؟ ولا تصفوه بضارب الميثاق. فهل كان ترحيل مقعد ماروني الى طرابلس في ايام الوصاية السورية مأثرةً وطنية وميثاقية، وقصداً شريفاً بريئاً؟

في العمق، لست مُهْتمّاً أن ينجحَ أو أن يسقطَ هذا المشروع. لكن ثمّة فكرة انتصرتْ يوم ظهر الى العلن. الفدرالية تتقدم على رؤوس أصابعها، في غفلة عن المقتنعين بهذا المشروع الانتخابي، أو المُزايدين والمُسايرين، أو الذين حُشِروا فأيّدوا! ولأنّ لبنان بلد المفارقات، اليكم هذه المفارقة التي أتى بها "المشروع الارثوذكسي". الفدرالية أقرب الى المزاج الماروني، والمشروع نطق به وجَهر أرثوذكسيون، مزاج أبناء طائفتهم قريب من الهوى العلماني.

الفدرالية كانت فكرة قواتية تاريخياً، و"سامي جميلية" في أمس قريب، فها هو ابن "دولة الصيغة" وصنيعتها، ميشال عون، رأس حربة مشروع انتخابي اذا مرّ، نكون على قاب قوسين من تكريس شكل من أشكال الفدرالية! هالله هالله يا زمن. كانت الفدرالية عند الشيعية السياسية شراً مستطيراً، فإذا بها، "وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها".

في هذه المسألة أكد "حزب الله" فعلاً أن ضرورات الإمساك بالسلطة تبيح محظورات الشريعة! وربما من أهم المفارقات أن هذا الشكل الفدرالي من قانون الانتخاب، عمّقَ حفرة في قعرها فكرة اسمها العلمانية. وهذا أمر يدعو الى الأسف، لا الفرح. كان من الأفضل أن يكون صراع الافكار بين الفدرالية والعلمانية، لا بين فدرالية مُلتبِسة ومشاريع تسلط طائفي تتخفّى وراء أقنعة أفكار زائفة. كُتب علينا أن نُراوح مكاننا.

ولن يُبصر النور أي قانون انتخابات إلا عندما يعتقد كل طرف، أن حفنة النواب التي ستمنحه الأكثرية، أصبحت في متناوله! ولن يولد "لبنان جديد" بكل معنى الكلمة، إلا عندما لا يبقى على الطاولة سوى مشروعين: الفدرالية الصادقة، والعلمانية الحقيقية.

في الانتظار، تعالوا ننظِّم الخلافات ونقطِّع الوقت بأقل الاضرار المُمكنة. تعالوا الى مشاريع حد أدنى، تتيح لنا إقامة الأعراس، وبناء البيوت، وشراء السيارات، والرقص والغناء لمَن يحب الرقص والغناء، او لمن يُسمح له بالرقص والغناء… إذا بقي له نَفَسٌ للرقص والغناء.

وممّا يحزُّ في النفس أن العلمانية التي هزمتها "دساتير لبنان" المُتعاقبة أو العِقابية، تزداد مصاعب بقاء ملفها مطروحاً على طاولات القرار. وهذه مشكلة العلمانيين "المسلمين على بطاقات هويتهم". فمنذ حرب العام 1975، حركة نزوح "العلمانيين المسلمين" الى أحزاب اسلامية الطابع والتوجه والعقيدة، فاقت حركة نزوح "العلمانيين المسيحيين" الى أحزاب الطوائف المسيحية.

"المسيحيون العلمانيون" صامدون اكثر في هذه المسألة. لماذا؟ ربما يكمن شيء من الجواب في أشياء من الفكر المسيحي نفسه. "المسيحيون العلمانيون" مؤتمنون على "وديعة الايمان العلماني"، في انتظار أن نيأس من كل الانظمة السياسية التي نستهلكها وتستهلكنا.

ولا أحد يعلم متى تأتي الساعة! وممّا يُباعد في اقتراب ساعة العلمانية، كنظيرٍ موازٍ للفدرالية، انحطاط بعض أحزابها الى درجة العمالة السياسية، بدلاً من البقاء على رقيّ فكري لا يَعتاش على تصيّد عثرات الممارسات الطائفية، واستجداء المكاسب السياسية من ياسر عرفات ماضياً، او آل الاسد واتباع الإمام الخميني حاضراً. لم يكن المطلوب أن يبقى هذا النوع من العلمانيين، منظرين في الفكر وممتنعين عن خوض غمار المعارك السياسية.

كان المطلوب أن يمارسوا الفكر والسياسية بطريقة لا تفقدهم "الاحترام السياسي". القيادي القومي السوري جورج عبد المسيح مارس الدورين، ولكن مقدار الاحترام التاريخي الذي حظي به بقيَ أهم من عدد الاخصام الكثر الذين استجلبهم عليه، وكان بينهم، ويا للأسف، "قوميون سوريون".

مات انطون سعادة ومات جورج عبد المسيح، ومن بقي من طينتهما يبدو عاجزاً عن إزاحة مَنْ طينتهم مِنْ صنف مغاير. هذا الصنف الموجود في جميع الاحزاب العلمانية، ظلمَ العلمانية أيضا، اذ قسّمها قسمين: أنت علماني لأنك تعاني عقدة نقص نفسية وسياسية ممّا يحصل حولك، او أنت علماني لأنك تتمتع بقوة نفسية وأمانة اخلاقية متينة. المشكلة أن اللبنانيين في سوادهم الأعظم، ليسوا أقزاماً ولا جبابرة. إنهم أُناس عاديون.  

السابق
مَن يخشى تنامي القوة الوسطية: حزب الله أم تيار المستقبل؟
التالي
أخوَنة مصر المستحيلة