خصمك طمئنه: كي تستطيع قتله

في احدى الدروس التي يتعلمها الضابط في المدرسة الحربية عن علم المخابرات، وليس ضروريا ان يصبح ضابط مخابرات مبدأ انه اذا كان لديك عدو او خصم، وتريد قتله فطمئنه، أي عليك أن تعطيه الطمأنينة وان يشعر ان لا خطر عليه، وانك غير غاضب منه، وان لا مشكلة بينك وبينه، ثم اقتله، وعندها تستطيع قتله بسهولة بالغة، لانه يكون مطمئن وغير حذر، ولا يأخذ الحيطة.

هذا ما درسناه في احدى دروس علم المخابرات، وهذا ما أتذكره من الدروس التي تلقيتها وأنا في الجيش، عن عمل المخابرات، وانا لم أكن في المخابرات ولا يعني ذلك ان المخابرات اللبنانية تطبّق هذا المبدأ، لكنه مبدأ عالمي في علم المخابرات والاجهزة التي تتصارع وتقتل بعضها، وتقتل من افراد أخصامها.

تمّ ذكري بأني كتبت مقالات ضد الشهيد اللواء وسام الحسن، فكيف يتخيّل انسان ان صحافي يعرف، أو له علاقة، أو يقدّر، أو يتخيّل، أو تأتي الفكرة الى رأسه، بأن الشهيد اللواء وسام الحسن سيستشهد استشهاد الابطال ويقوم بشنّ شارل أيوب حملة عليه. اذا كان لا سمح الله لديّ نية سيئة فكان عليّ أن أسكت وأن أمدح اللواء الشهيد وسام الحسن، لكن انا كنت اكتب بعفوية في صراع أخ مع أخيه.

الشهيد اللواء وسام الحسن هو اخي والاخوة يختلفون بين بعضهم وأحياناً يشتمون بعضهم، فهل اذا توفّى أخ لا يبكيه أخيه ولا يذكر حسناته؟

هذا ما حصل معي، قبل يوم كتبت مقال هجومي ضد الشهيد اللواء وسام الحسن وبعد استشهاده بكيت عليه، وقلت عن صفاته الحسنة لأنه أخي، وكما قلت ان الأخ يختلف مع أخاه، وان الأخ قد يشتم أخاه، ولكن عندما يصيب مكروه الاخ، يبكي الاخ الآخر، ويتحدث عن صفاته النبيلة وكيف كان شقيقه وأخلاقه وشخصيته الممتازة.

أنا لم أكتب لأساير أحد عندما قلت، يا عزيزي وسام الحسن، أنا لم أكتب لأبرّر نفسي، فهو غبي من يعتقد انه يستطيع ان يجعلني افقد ثقتي بنفسي، وأن أكون من فريق تحريض تمهيداً لجريمة، ان اغبياء كثيرون وحقيرون انتقدوني، حتى ان مذيعاً تلفزيونياً دخل في حياتي الشخصية وهاجمني، وأنا كنت على علاقة جيدة مع هذا المذيع، لكن أغبياء الذين يعتقدون ان هنالك رابط بين مقال صحافي وانفجار خاصة لنعود الى القاعدة الاساسية، خصمك طمئنه ثم اقتله.

وهنا أقول لأني لا أضمر أي شرّ بل الحب والصداقة وما أصابني من خسارة كبرى، هو الذي جعلني أكتب بعفوية مقالاتي ضد الشهيد اللواء وسام الحسن حيث كان هنالك مراسيل بيننا وكنا على وشك المصالحة مثل الأخوة. ولأنه يحبني قال لي على الهاتف "اكتب وتسلّى فأنا لن أردّ عليك بكلمة". وكنا على مزاح على الهاتف.

اغبياء اولئك الذين لا يعرفون ان مَن يريد ان يقتل يطمئن خصمه، أن من يريد أن يغتال يعطي الجو الجيد والانطباع بأنه غير غاضب. أما بالنسبة لأخي الشهيد اللواء وسام الحسن فان اغتياله هو بداية لمخطط كبير، والخسارة كبيرة بخسارة الشهيد اللواء وسام الحسن، ولن نستطيع تعويضها مع احترامي لضباط قوى الامن الداخلي، فوسام الحسن كان شخصية فذّة لمعت في العالم العربي والعالم كله، اضافة الى اللمعان في لبنان في كشف الشبكات من كل الانواع. لكن المخطط هو الفتنة السنية – الشيعية، هو الصراع بين المشروع الايراني والسعودي، والمنعكس على الشيعة في العالم العربي، وعلى السنّة في العالم العربي، من البحرين الى الكويت، الى سوريا، حيث ساحة الصراع الكبرى الى لبنان. والمطلوب ان تحصل فتنة سنية – شيعية، كي تقوم المقاومة بالاتجاه نحو الداخل وعندها ترتاح اسرائيل فيصبح قتال رجال المقاومة وقتال رجال السنّة ضد بعضهم أفضل وسيلة لها كي تغرق المقاومة في مشاكلها وتبتعد عن اسرائيل، وكي يغرق الشباب السني في المشاكل وكي يسيل الدم في لبنان ويتدمّر لأن اسرائيل لا تريد لبنان المستقر المزدهر.

لو أخذنا مثلاً سوريا، ماذا يفكر الضباط الاسرائيليون الآن؟ انهم يرون كل يوم تدمير قرية، انهم يرون تدمير حلب، وقبلها حمص، ومعارك في حماة، ومعركة كبرى في معرة النعمان، ومعارك في ادلب وجبل الزاوية، وفي درعا وريف درعا، وبالتالي لنسأل أنفسنا، ماذا يفكر الاسرائيلي في هذه الحالة؟ انه في غاية الفرح والسرور، فكل يوم يسقط 200 شهيد في سوريا، وكل يوم يحترق 100 منزل، وكل يوم هنالك 500 جريح، والجيش السوري يستنزف نفسه وذخيرته وشبابه، والمسلحون يستنزفون طاقاتهم ويموتون. والدم يسيل في سوريا، والمدن تتدمّر، فأية حالة أفضل للاسرائيلي من هذه الحالة؟ معروف ان اسرائيل تريد تدمير سوريا، لكن لو أرادت هي الهجوم على سوريا، لدفعت ثمناً غالياً وألحقت خسائر بسوريا، ولكن لم تكن لتستطيع ان تحصل على ما تحصل عليه الآن من دون أي تدخل اسرائيلي، ان اسرائيل ترى نهرا من الدم في سوريا وترى المنازل محترقة وترى المهجرين وترى دبابات الجيش السوري تقصف او تصاب بالصواريخ، وترى المدنيين مهجرين، وترى المسلحين يموتون، وترى كل يوم 200 قتيل واكثر من 500 جريح، فهذه تماما هي الخطة الاسرائيلية بتدمير سوريا.

والصراع في سوريا انعكس على لبنان، وللأسف وقف فريق من اللبنانيين مع النظام والرئيس بشار الاسد، وفريق وقف مع المعارضة المسلحة ويعمل على اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد. وهذا انعكس على الساحة اللبنانية توتراً، وجاء اغتيال الشهيد اللواء وسام الحسن، الذي هو أكبر خسارة لم يعرفها لبنان على مستوى الامن عندما يسقط قائد جهاز امني بحجم الشهيد اللواء وسام الحسن. الطائفة السنية تغلي وهي غاضبة ومجروحة على فقدان الشهيد اللواء وسام الحسن ومن حقها ان تكون في هذا الوضع، واللبنانيون خسروا شاباً عمره 47 سنة قائد جهاز أمني لامع، وحقق انجازات طول 6 سنوات لم يحققها أحد.

وهنا أكرر وأقول ان الاخ يختلف مع أخيه، وأنا اختلفت مع أخي الشهيد اللواء وسام الحسن، ولكن لم تزل الأخوّة بيننا، بل بقيت، والبعض أخذ مقال انتقادي له ثم أخذ مقال بكائي عليه، وأعتقد ان الامر طبيعي، فأنا لم اكن اتصور اني سأخسر وسام الحسن، بل كنا ننتظر المصالحة القريبة.

ولكن لنعود الى مخطط الفتنة، فالطائفة السنية مجروحة وغاضبة، والطائفة الشيعية لديها سلاح تريد المقاومة والحفاظ عليه للقتال ضد اسرائيل. واصبح الجو مشحوناً بعد استشهاد اللواء وسام الحسن، واسرائيل تريد أن تبدأ الفتنة في لبنان، وأنا أعتبر ان مسؤولية السيد حسن نصرالله والرئيس سعد الحريري منع هذه الفتنة، لان الحرب السنية – الشيعية ستقضي على لبنان وتدمّر قراه وتقتل شبابه وتقوم بتهجير الناس وسيحصل أكبر خراب، سواء في العاصمة بيروت أم في بقية المناطق.

استشهاد اللواء وسام الحسن هو البداية، وسنة 2005 في اليوم الثاني لاغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري استقبلني الزميل سعيد الغريب في محطة الـ ن.ب.ن وسألني عن الحادث فقلت له انه البداية، وتعجّب، ولكن لاني لست مشهوراً لم يأخذ احد بقولي وتنبيهي انها البداية، وليست النهاية، البداية هي استشهاد الرئيس الحريري والمخطط أكبر، واليوم اعود واقول ان استشهاد اللواء وسام الحسن هو البداية للمخطط الذي يستهدف لبنان. وأنا لا استطيع الجزم وليس عندي معلومات عن استشهاد ومن الجهة التي قتلت الشهيد اللواء وسام الحسن. فالاتهامات موجّهة ضد سوريا وحزب الله، والتحقيق يجري، ولا أحد يفكر أيضاً في طبيعة اسرائيل الا وعليه ان يفكر ان الموساد الاسرائيلي قد يرتكب هذه الجريمة ليعجّل في الفتنة السنية – الشيعية، كي تندلع الحرب في لبنان وفي ذات الوقت في سوريا. ولكن بالنتيجة لست محققاً أنا، فقد تكون سوريا قتلته وقد يكون حزب الله وقد يكون الموساد وقد تكون جهة أصولية، وقد تكون جهة خامسة لا نعرفها، فأنا لا أستطيع من خلال متابعتي على التلفزيون للاخبار ان اعرف تفاصيل ما يقوم به الخبراء والبحث عن تفاصيل الانفجار، عن نوعية المتفجرات، كيف حصل الحادث بالتفصيل، أين يمكن ان يكون هنالك من راقب سيارة اللواء الشهيد وسام الحسن، وكم هو العدد الذي راقبه، ومن كان يراقب قرب المنزل، ومن كان قد قاد السيارة المفخخة ووضعها على طريقه، ومن فجّرها؟ لا أتهرب من اتهام أحد ولكن اقول ما عندي اني كل ما اتابعه على شاشة التلفزيون مثلي مثل كل المواطنين.

للأسف الفتنة تزداد، والحكمة التي لدى السيد حسن نصرالله هي الضمانة، وكذلك يجب ان يكون الرئيس سعد الحريري حكيماً للغاية، رغم جرحه الكبير بخسارة الشهيد اللواء وسام الحسن، لان الخراب سيكون كبيرا هذه المرة بشكل لا يتصوره احد اذا حصلت الفتنة السنية – الشيعية.

هذا ما عندي لأقوله للقارىء، والخلود للشهيد اللواء وسام الحسن، وليحفظ الله لبنان والمنطقة من المؤامرات الكبرى والحروب لأنه يحق لشعبنا في لبنان أم في سوريا أم في فلسطين أم في العراق أن يعيش حياة استقرار وازدهار وبناء عائلة والقيام بجهد من اجل حياة أفضل، ومن سوء الحظ ومن علامات الزمن الرديء ان العكس يحصل فيموت شعبنا ويتم تهجيره ويتساقط الشهداء بالآلاف، وتحترق المدن، ونفقد افضل شباننا، لان الوعي غائب، والمؤامرة كبيرة ومطلوب العقل والحكمة لانقاذ بلادنا.

السابق
ميقاتي: لا أحمل حقداً على أحد
التالي
سرّ الإعلاميّة في جريمة الحسن