ذَكَر المبنى الوحيد تمكّن من كسب ثقة إناثه. يقفز حاتم، الناطور السوداني الممتلئ نشاطاً، بين الطوابق. يعلم جيّداً طبيعة ملعبه، لذلك حفظ صلاحيّاته وما هو مسموح وممنوع. تكفيه عبارة «يا الله» كي يذيّل زيارته لأي طابق بصبغة شرعيّة. تكاد لا تنتهي طلبات بنات الطوابق الست. إذا انتهت قارورة الغاز عليكم بحاتم. أعمال الصيانة من حصّته، وكذلك التبضّع من الدكّان. ربّما تهفّ نفس إحداهنّ على لوح شوكولا ليلاً. حاتم المنقذ الوحيد.
هو المستأمن على بيت للطالبات، والمهمّة ليست سهلة. تتناقل الصبايا قصّته مع خطيبته التي تركته بعد سنة من وصوله إلى لبنان. غالباً ما يُرفقن الحديث بكلمة: «حرام».
السنة الماضية وقع سوء تفاهم. لم يتمكّن أحد من حلّ اللغز. دخل شاب ليلاً إلى المبنى المقفل، خلع سرواله وفتح باب إحدى الغرف. علا الصوت ودبّ الصراخ، فهرب بثيابه الداخليّة. وصل عند حاتم، استنجد به لفتح الباب، وهذا ما حصل. لاحقاً انطمست القصّة. حاولت كثيرات الاستفهام لكن لا جواب.
ليس خفيّاً أن «سكن الطالبات الجامعيّات» يخضع لنظام واضح: العاشرة والنصف تُغلق الأبواب. ممنوع الدخول والخروج إلاّ لظرف طارئ. لكنّ مراقبة بوابة المدخل كافية لفهم أنّ لا قانون هنا. عند الوقت المحدّد، يُغلق حاتم البوّابة. لكنه لا يغفو، فالوافدات المتأخّرات لن يرحمنه. واحدة تلو الأخرى، وكلّ تُلقي حجّتها قبل الدخول. يقول دائماً إن ضميره لا يسمح له بتركهنّ في الشارع. لكنه يعرف أنّ معظمهنّ يقدّمن أعذاراً كاذبة.
هنا لا تميّز الفتيات بين ليل أو نهار. في هذا المكان، تدور أحداث حياتهنّ على مدار الساعة. تختلط الأمور لدى الفتيات الجدد. عليهنّ فهم الواقع سريعاً والتأقلم، وإلاّ فإقامتهنّ لن تكون مريحة.
حتماً تحتاج العمليّة وقتاً وجهداً. ففي كلّ طابق، لا بدّ من «جوقة» تكون مسيطرة على «الشاردة والواردة». من مهمّات هذه «الجوقة» إفهام كلّ وافدة حديثة أنّ السلطة بـ«يدنا».
ليلة نغم الأولى لم تكن طبيعيّة. استغربت كلّ شيء. استفزّها التجمّع الأنثوي قرب غرفة رزان. كثافة فتيات وكلامٌ غير مفهوم وضحك عال. لم تتمكّن من الانخراط. حملت نفسها ولجأت إلى سريرها. حتّى فكرة انعدام الخصوصيّة لم تتمكّن من هضمها سريعاً. تريد مساحةً لها وحدها. عبثاً حاولت من تشاطرها الغرفة إفهامها أن مبنىً يعجّ بالفتيات لن يسمح لها بذلك.
المقيم في هذا المكان هو رقم أكثر مما هو اسم. للتعريف عن نفسك بين الطوابق، اذكري اسمك الأوّل مُضافاً رقم الغرفة. وهكذا لا يعود ممكناً التملّص. أنتِ الآن نغم 501، وانتهى.
مع بداية العام الدراسي الجديد، تعود الحياة للمبنى. حاتم يرجع لمهامه. أمّا الفتيات فيستكملن قصصاً لم يتمكنّ من إنهائها العام الماضي.
ريم أحبّت ابن صاحب أحد المحلات المقابلة للـ«فواييه». طيلة العام الماضي، أقامت قرب جارور المحاسبة، إلى جانب حبيبها. طبعاً الصبايا لم يتركنها بحالها. يوميّاً تأتي الأخبار بالرُزم. هذا العام لم تعد ريم. رسبت في الجامعة، ويُقال إنّ والدها انتشلها من «قرف» بيروت وأعادها إلى الضيعة! أمّا حبيبها فصار حبيب صديقتها السابقة. وهكذا عادت الطاحون لتدور، إنما على حساب الصديقة.
بدء التوافد
الأسبوع الماضي عادت الحركة شبه طبيعيّة. أخليت العائلات التي استأجرت المبنى صيفاً، وعادت البنات لاحتلال غرفهنّ. صغر المساحة لا يعيق أطنان الملابس والأغراض. لا أحد يدري أين يذهبن بما لديهنّ من حاجيّات. في ليلة واحدة ينقلب كلّ شيء. إحداهن علّقت ورقة على الباب تطلب «خلع الأحذية خارجاً». في الطابق الثاني، ورقة على باب آخر، كُتب عليها: «الرجاء عدم القرع، الغرفة للدرس فقط».
فجأة حلّ الهدوء، توقّفت البنات عن الحركة، إنها الحادية عشرة ليلاً. لكن صراخاً من الطابق السادس كسر السائد. مفاجأة لإحدى الفتيات كانت كفيلة بإيقاظ مبنى بأكمله. أحضروا لها من شاركتها العام الماضي الغرفة. دبّ الصراخ والعناق. تبهدلنَ، بعد أن طلبت إحداهنّ خفض أصواتهنّ ولم يستجبن.
في بيوت الطالبات، عليكِ بالمقامرة. إمّا أن تُحضري زميلة السرير المجاور معك، أو فلتنتظري نصيبك. قصصُ هذه اللقطة كثيفة. لا تقف الأزمة عند مأساة الليلة الأولى وهواجس «النوم مع شخص تعرّفت عليه من خمس دقائق فقط». المشكلة الأكبر في التأقلم. نرجس مثلاً، لا يمكن لفتاة أن تصمد معها إن لم ترغب هي بذلك. عندما أحضروا مريم للإقامة معها، حلفت يميناً ألاّ تبقيها أكثر من يومين. وفعلاً صدقت. في صباح اليوم التالي، خرجت مريم من الغرفة واتجهت للإدارة طالبةً تغيير غرفتها بسرعة.
تكثر الأخبار وتنتشر سريعاً: سعاد سرقت عقد نيرمين، زينب تعبث على الدوام بخزانة لميا، رزان لا ترتّب الحمام بعد الاستحمام، نرجس لا تغفو من دون ضوء، مريم لا يغمض لها جفن بوجود ضوء… وهكذا على الدوام. الكلّ يستمع لمناوشات الكلّ، وما على المستمعة سوى مراعاة الطرفين لكسبهما. مُضحكة هي المشاكل اليومية الصغيرة. حصّة الجلي كبيرة. وما بين «دوري» أو «دورك» تتدخّل فرق الإنقاذ لفضّ الإشكال. أكثر الغرف تبقى أشهراً بلا تنظيف. أمّا السبب فهو الـ«نكد»: المرّة الماضية رحاب نظّفت، إذاً هي لن تكرّر الفعل مرتين، وعلى سارة المبادرة هذه المرّة.
رسم الصورة
من أين تبدأ؟ لا تعرف بتول إمساك خيط الوصف. أمّها بقيت بقاعاً، متجنّبةً رؤية سكن ابنتها الجديد. تؤلمها المغادرة السريعة لـ«طفلتها». طمأنها كلام الوالد عن مطبخ وحمام، وغرفة نوم لا بأس بها. هدأ بالها ولم تعد تسأل. مع وصول الصبيّة مساء إلى غرفتها الجديدة، شعرت بالغربة. لكنها أصرت على خوض التجربة. لم يُثر اشمئزازها إلاّ ذاك المطبّخ المشظّى بقطع الخضار. سألت فجاءها الجواب: «فتوش فتوش، صباح أكلت فتوش اليوم». لم تفهم شيئاً. «من هي صباح؟ «لماذا أكل الفتوش قد يفتح الباب على كارثة كهذه؟». يومان وهاتفت أمّها. أخبرتها عن صباح التي تأكل السمك على مدار الأسبوع. يوميّاً تُحضر حيواناتها البحريّة وتسقطها في «المجلى» معيدةً اصطيادها. ولاحقاً تبدأ رحلة قليها وانبعاث تلك الرائحة الغريبة.
انخرطت بتول في الأجواء. عرفت كيف تبني شبكة علاقاتها. «ضربت» على «المعمّرات» في الطابق والتحقت بهنّ. في إحدى سهرات اليومين الماضيين، أطلّت ملاك برأسها. ألقت التحيّة وذكّرت البنات بحاجتها للراحة والنوم. عبارة كهذه لا تعني سوى نضوج الأجواء لنقاش طويل. ملاك امتلأ قلبها غيظاً، والصبايا سُعدن باستدراجها.
في بيت الطالبات، لا يهنأ العيش بالدرس والاجتهاد فقط.

