متى سيعود سعد إلى لبنان؟

قبل الهزيمة السياسية التي حلّت به وبحلفائه أمام قوى الثامن من آذار عبر اختيار الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، كان سعد الحريري يُعتبر الأقوى من دون أدنى شكّ، وربّما الأوحد، في صفوف الطائفة السنّية شعبياً وسياسياً، مدعوماً بتكتل نيابي «ضخم» وبمناصرين يمتدّون من صيدا وإقليم الخرّوب وعرسال إلى بيروت وطرابلس وعكّار.
إلّا أنّ غياب الحريري وازدياد وقع التعاطف الشعبي السنّي مع الثورة السورية، قد أدّى إلى بدء سحب البساط من تحت عباءة رئيس "المستقبل" ونوّابه في بعض المناطق، لصالح عدد من الجماعات المتشدّدة التي تغذّي وتوازن معدّل التعاطف المتطرّف والمستجدّ لدى الشارع السنّي، نتيجة تحوّل الصراع في سوريا الى شبه حرب سنّية – علويّة، يضاف إليه أصلاً شعور مغذّى بالتوتّر السنّي – الشيعي في لبنان والمنطقة، من دون إغفال الخلفية التاريخية والذاكرة الجماعية لسنّة الشمال تحديداً وارتباطهم الاجتماعي والتاريخي مع الشعب السوري والامتداد الطبيعي الجغرافي شمالاً.

والسؤال الذي يطرح نفسه انطلاقاً من هذا التراجع، لماذا لا يعود سعد الحريري الى لبنان؟ وهنا تفيد المعلومات أنّ الحريري لن يعود الى لبنان قبل انتخابات 2013 بأربعين يوماً تقريباً، وأسباب بقائه في الخارج هي الآتية: أبلغت قيادات أمنية رفيعة محلية وإقليمية إلى الحريري أنّه موضوع على لائحة الاغتيالات السياسية، وولّدت محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع "نقزة" نفسيّة في ذهن الرئيس الحريري ومحيطه، وبالتالي أصبح هناك قناعة بأنّ الثابت الوحيد في البلد حاليّاً هو أنّ لبنان مكشوف أمنيّاً إلى أبعد حدود، ومفتوح على تطوّرات أمنية ستؤسّس لوقائع سياسية لا العكس.

وتشير أوساط تيار "المستقبل" الى أنّه في الدول المستقرة أو على الأقل تلك التي تتمتع بالحدّ الأدنى من الاستقرار، يكون الأمن نتيجة الجوّ السياسي، إلّا أنّ هذا الواقع لا ينطبق على الظروف التي يمرّ بها لبنان في هذه المرحلة، وهذه المخاوف الأمنية بحدّ ذاتها منعت الحريري من العودة الى لبنان للمشاركة في ذكرى والده.

وتلفت إلى أنّ الوقائع التي ظهرت في الآونة الأخيرة قطعت الشكّ باليقين وصار واضحاً أنّ الحريري هدف أوّلي لأنظمة وقوى محلّية تسعى إلى تغيير معادلات سياسية ناشئة في المنطقة، لجهة سطوع ديموقراطيات في مراحلها الأولى وسقوط ديكتاتوريات تلفظ أنفاسها الأخيرة.

أمّا السبب الثاني فهو الضائقة المالية والاقتصادية التي تعيشها مؤسّسات الرئيس الحريري الإعلامية والخدماتية والتجارية، والتي هي جزء أساسي أيضاً من أسباب وجود الحريري في الخارج الذي يعمل على تسوية أوضاعه المالية العالقة. وتهدّد الاختلاسات المالية التي تعانيها الشركة اللبنانية – السعودية استكمال مشاريع عدّة تنشئها المجموعة في عدد من المدن السعودية، ويحاول الحريري اليوم إعادة الشركة الى وضعها الطبيعي والمنافس في سوق البناء السعودية، خصوصاً أنّ غيابها عن الدخول في منافسات مشروع البنية التحتية لمدينة جدّة ترك استغراباً لدى العديد من كبار الاقتصاديّين والمهتمّين في مجال البناء.

وحسب المعلومات، فإنّ هناك قلقاً وانزعاجاً لدى الرئيس الحريري من المظاهرات "السلفية" المنظمة في طرابلس وغيرها، والداعمة للحراك الشعبي في سوريا، والتي تستهوي الشباب السنّي المتأرجح أصلا بين التزامه المعنوي مع تيار "المستقبل" بما يرمز إليه من زعامة سياسية بارزة على الصعيد الوطني، ومشاعره الدفينة ذات الأبعاد الطائفية المتديّنة التي ترقى إلى مستوى الانتماء إلى "الأمّة"، انتماءً عقائدياً مُستتراً لا يبرز في العلن، وتشكّل اليوم عاصمة لبنان الثانية مسرحاً ومقياساً غير مباشر لارتفاع رصيد الحركة المتشدّدة في لبنان، والتي تحتلّ الصدارة بفاعليتها على المسرح السياسي والشعبي في الشمال.

إضافة الى تنشّق بعض المنتمين إلى كتلة "المستقبل" نَفَسَ هذا الشارع "المستجدّ" وإطلاق مواقف سياسية تدوس السقف السياسي الذي يقف عنده الحريري في "منفاه" الموَقّت.  

السابق
خيار حزب الله للاستراتيجية الدفاعية: تطوير تجربة التناغم
التالي
CIA تدعم المعارضة السورية بالسلاح من جنوب تركيا !!