في جانب منه، يبدو «التسريب» الذي بثّته «المؤسّسة اللبنانية للإرسال» عن مضمون اللقاء في الرياض بين سليمان والحريري والفيصل والعريضي خطِراً ويتسبّب بالأذى. لكن بعضه يجب أن يكون صحيحاً، ولا يجوز إلّا أن يكون صحيحاً.
سارعَ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى نفي الكلام الوارد على لسانه، والذي خاطب فيه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل: "عندما تُرَسَّم الحدود وتحرَّر الأرض نخلص من السلاح (…) إحكوا مع إسرائيل. سوريا مشغولة بأوضاعها، ويمكن ترسيم الحدود مع شبعا". وطبيعي أن ينفي سليمان، وأن يؤكّد استحالة الطلب من السعودية أن تقوم بوساطة مع إسرائيل. فلا هو يفعَل ولا السعودية تَقْبَل.
وفي الحديث المُحرِج عن إسرائيل، لا يروق للرئيس سعد الحريري أيضاً أن يُنقَل عنه قوله: "حزب الله" اعتدى على إسرائيل في العام 2006". ومن حقّ سليمان والحريري أن يعتقدا بوجود عملية "تسميم" لوقائع اللقاء في الرياض، بهدف الأذيّة، تقف وراءها أطراف سياسية.
لكنّ محضر الـ lbc، شأنُه شأن آلاف المحاضر التي أوردها "ويكيليكس" جوليان أسانج، يتضمّن معلومات يجب أن تكون صحيحة في جانب منها، لأنّ أصحابها يقولون الكلام المنقول عنهم علانية وليس بين الجدران الأربعة، وليس غريباً أن يقولوه في لقاء الرياض.
والأبرز هنا هو الكلام المنسوب إلى الحريري عن الحوار في مراحله السابقة والحاضرة واللاحقة، وعن "حزب الله" و7 أيّار، وعن الطريقة التي جرى فيها إسقاط حكومته والضغوط التي مورست على النائب وليد جنبلاط.
وفقاً للمحضر، بدا الحريري غير مستعدٍّ للمشاركة في الحوار: نرفُض "الجلوس إلى الطاولة فيما فريق جالس على سلاحه، يهدّد به ساعة يشاء". ففي العام 2006، "لبّينا الدعوة ولم يكن قد جفّ دم أبي. وحين وصلنا إلى السلاح… كانت حرب 2006 والاعتصام و7 أيّار، وهو يوم كمقتل والدي لن ننساه، وسنُدَفِّع "الحزب" ثمنه"، ثمّ الدوحة فحوار بعبدا. واليوم تدعوني إلى الحوار لأُخرِج "حزب الله" من مأزقه أو لنغطّي الحكومة المفلسة".
واقترَحَ الحريري، للمشاركة في حوارٍ لا ينعقد بالضرورة في 11 حزيران، شرطين: حكومة حيادية بموافقة 14 آذار، ودعوة كلّ من فريقي 8 و14 آذار إلى اجتماع برئاسة سليمان، والاستماع إلى وجهة نظر كلّ منهما. وبعد ذلك يتمّ الحوار.
أيّهما الحريري؟
في معزل عن الكلام المتعلّق بحرب تمّوز، يبدو منطقيّاً أن يقول الحريري ما نُسِبَ إليه في شأن الحوار. فهو مقتنع بأنّ هناك خطة لـ"الزحلقة" وكسب الوقت اعتمدها "حزب الله" منذ العام 2006. وفي اللحظة التي جرى فيها لقاء الرياض، كان فريق 14 آذار مجتمعاً، وفي مقدّمه تيّار "المستقبل"، قد أقرّ المبادئ عينها التي طرحها الحريري في لقاء الرياض شرطاً للحوار، وأعلنها للرأي العام. ولهذا يصعب القول إنّ "ويكيليكس الاجتماع"، في هذه النقطة تحديداً، جرى تحريفه أو اختلاقه.
وبعيداً عن مشهد مشاركة تيار "المستقبل" الاضطرارية و"المُحرِجة" عبر الرئيس فؤاد السنيورة ونوّابٍ يجدون صعوبة في شرح موقفهم لأقرب المقرّبين والقواعد الشعبية، يصعب القول إنّ الحريري نفسه مقتنع أو راغب في الانزلاق في تجارب الحوار. وللتأكّد من ذلك، لا يحتاج الأمر إلى "ويكيليكس" بل فقط إلى المواقف المعلنة.
فسعد الحريري هو الذي خرج من لبنان مُكفِّراً عمّا فعله في ظلّ الـ"س – س"، ونادماً على النكبات التي أصيب بها هو و14 آذار. وهو الذي وقف في ساحة الشهداء في ربيع العام الفائت، وأعلن أنّه طوى صفحة التنازلات. وبناءً على ذلك، تبلّغ أنّه أصبح في مرحلة الخطر الجسدي. وهو منذ تلك اللحظة خرجَ ولم يَعُدْ.
وطبيعيّ أن يكون سعد الحريري منسجماً مع نفسه في اجتماع الرياض، وليس في المقرّرات الساذجة الـ 17التي لم يستغرق إنجازها سوى ثلاث ساعات من "الحوار الوطني"… ولو كان الأمر خلاف ذلك، لكان الحريري مقيماً اليوم في بيروت، لا في المنفى. فأيُّ حوارٍ يُراد اليوم إذا كان أبرز المحاورين موزّعين بين المنفى الداخلي والمنفى الخارجي؟ وأيّ حوار هو "حوار المَنافي"؟
هل ستأتي الظروف التي تتيح للحريري بأن يكون هو نفسه في بيروت والرياض وأينما كان؟!
للإجابة عن هذا السؤال، يُفترض بفريق 14 آذار أن يختلي بنفسه يوماً. ويقتضي أن تنعقد طاولة حوار داخل 14 آذار، أو حتى "مؤتمر تأسيسي" لـ"ثورة الأرز" يرسم استراتيجية ثابتة وواضحة لهذا الفريق، على الأسس التي انطلقت فيها عام 2005. فلا تُضعِف قواه الاستحقاقات ولا تُفرّقها "المناسبات المدبَّرة"، كالحوار. ومن دون ذلك، لا شيء سوى الضياع.

