عشية جلسة لمجلس الوزراء أسبغ عليها اكثر الافرقاء المشاركين في الحكومة أهمية من حيث خروجها بحل طال انتظاره لمأزق التمويل والانفاق الحكوميين وقوننتهما، كشفت المشاورات واللقاءات التي أجريت بين هؤلاء الأفرقاء تجاوز هذه المحاولة موضوع الانفاق الى اعادة لملمة صفوف الاكثرية الحكومية بما يجنبها مزيدا من الاهتزازات.
وقد برز هذا البعد في تطعيم ما سمي "إعلان مبادئ" عملت على وضعه وبلورته قوى 8 آذار و"تكتل التغيير والاصلاح" مع رئيس الوزراء نجيب ميقاتي عقب توافق رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس ميقاتي على المخرج المالي، ببندين سياسيين يتعلقان بقانون الانتخاب والتعيينات. وعلى رغم نفي الجهات المعنية بهذا المسعى أي ارتباط للتفاهم الجاري العمل عليه بالوضع الحكومي ومطالبة المعارضة بتغيير الحكومة على مشارف الدعوة التي وجهها الرئيس سليمان الى الحوار، فان المعطيات المتوافرة لدى "النهار" أفادت ان حث الخطى نحو إقرار هذا التفاهم ولو بصورة مبدئية وإدخال قانون الانتخاب على بنوده انما جاء استباقا للموقف النهائي الذي ستتخذه قوى 14 آذار من موضوع الحوار ولقطع الطريق على الذرائع التي توفرها الاكثرية الحكومية نفسها للمعارضة في طرحها لتغيير الحكومة.
وعلمت "النهار" ان اجتماعات وزارية انعقدت امس في السرايا وأحيطت بالكتمان وأبقيت بمنأى عن الاعلام أفضت الى التوافق على "اعلان مبادئ" سيصاغ خطيا للحؤول دون التراجع عنه لاحقا، يتضمن أربع نقاط هي الملف المالي والتعيينات وقانون الانتخاب والوضع الامني.
وإذ أوضحت المعلومات ان التفاهم على الملف المالي بات الاقرب الى الترجمة مما يسمح لمجلس الوزراء باخراجه الى النور اليوم، قالت مصادر وزارية لـ"النهار" ان اكثر من اقتراح طرح في لقاءات السرايا امس وستطرح الاقتراحات على مجلس الوزراء اليوم من أبرزها طلب سلفة خزينة بمبلغ 10 آلاف مليار ليرة لتغطية الانفاق للفترة المتبقية من السنة وأن يحال مشروع السلفة على مجلس النواب لاقراره وإذا لم يمر في المجلس يوقع رئيس الجمهورية كما تعهد سابقا توقيع مرسوم الـ8900 مليار ليرة. ويرافق ذلك المضي في إقرار مشروع الموازنة لسنة 2012 وانجازها في أسرع وقت تمهيدا لاحالتها على مجلس النواب. واشارت الى أن ثمة اقتراحا آخر لاقرار طلب سلفة بـ3500 مليار ليرة للنفقات الملحة، مشيرة الى ان الاجواء الوزارية راوحت بين تفاؤل باقرار مخرج نهائي اليوم وتحفظ عن بعض التفاصيل في انتظار انعقاد الجلسة.
أما في شأن البنود الثلاثة الاخرى، فقالت المصادر ان الاجتماعات بين الافرقاء الحكوميين ستتكثف لاستكمال النقاط غير المتفق عليها بعد. ذلك أن معظم الافرقاء داخل الحكومة وافقوا مبدئيا على اقرار مشروع قانون الانتخاب الذي قدمه وزير الداخلية مروان شربل معتمدا نظام النسبية، على أن تدخل عليه بعض التعديلات ويحال على مجلس النواب لرفع مسؤولية الحكومة بحيث يصير قبول النسبية او رفضها شأن النواب وخيارهم ورهن المعركة السياسية. وتحدثت المصادر عن محاولة ستبذل لدى رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط لاقناعه بعدم عرقلة اقرار هذا المشروع في مجلس الوزراء باعتبار ان جنبلاط هو من غلاة الرافضين للنسبية وموقفه هذا يلتقي مع قوى 14 آذار في معظمها.
أما في البند المتعلق بالتعيينات، فقالت المصادر ان توافقا تم على السير بالآلية التي وضعها مجلس الوزراء على ان يبدأ التحضير لاصدار دفعة من التعيينات في الجلسات اللاحقة. ويتناول البند الأمني في "التفاهم" دعم الجيش وقوى الامن الداخلي في مهماتهما الامنية وتوفير المستلزمات الضرورية والتشديد على رفع الغطاء السياسي عن أي جهة مخلة بالامن سواء في طرابلس أو في أي منطقة والتزام هذا القرار مهما طرأ من ظروف.
وأبلغت مصادر مطلعة "النهار" ان قرار اعادة الزخم الى الحكومة تبلور في "لقاء المصالحة" بين الرئيسين سليمان وبري والذي تحول لقاء ثلاثياً مع الرئيس ميقاتي، واتفق خلاله على تجاوز واقع الحكومة واعادة تفعيلها. واتفق على قوننة الانفاق المالي كما تقرر التفاهم على التعيينات في سلة واحدة وفقاً للآلية التي وضعها مجلس الوزراء ولكن لا تزال ثمة تحفظات عن بعض الأسماء التي تعني العماد ميشال عون ويجري العمل على معالجتها. وكشفت أن ميقاتي كان قد التقى النائب جنبلاط قبل يومين بعيداً من الأضواء.
وجاء في معلومات مسائية أن موضوع "التفاهم" بمجمل نقاطه سيسلط الأضواء في جلسة اليوم على موقف وزراء "جبهة النضال الوطني" ليس من حيث رفض مشروع النسبية في قانون الانتخاب فحسب، بل من حيث تلميح وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي أمس الى "حديث عن المقايضة بين الانفاق والتعيينات" آملاً "ألا تكون المسألة قد انجزت بهذا الشكل".
الامارات وقطر
في غضون ذلك، تميزت الزيارتان الخاطفتان اللتان قام بهما الرئيس سليمان أمس للامارات العربية المتحدة وقطر باثارته في الامارات موضوع إبعاد لبنانيين وفي قطر موضوع الحوار على قاعدة اتفاق الدوحة.
وقالت معلومات رسمية أن الرئيس سليمان اطلع أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على الدعوة التي وجهها لعقد طاولة الحوار وفقاً لما نص عليه اتفاق الدوحة (2008)، وقد شجع الشيخ حمد على التحاور بين اللبنانيين "من أجل الحفاظ على استقرار بلدهم".
وعلق مصدر بارز في قوى 14 آذار على الاشارة الى اتفاق الدوحة إن هذا الاتفاق ينص أيضاً على تشكيل حكومة وحدة وطنية وتعهد جميع الأطراف عدم الاستقالة او اعاقة عمل الحكومة. وتساءل عما اذا كان هذا الاتفاق لا يزال قائماً بعد اطاحة حكومة الوحدة الوطنية. كما لفت الى ان الاتفاق ينص على حظر اللجوء الى استخدام السلاح في الداخل وهذا لم يحترم إطلاقاً.
مذكرة 14 آذار
وعلمت "النهار" أن الرئيس سليمان سيتسلم غداً مذكرة قوى 14 آذار، والأرجح أن يسلمه إياها الرئيس فؤاد السنيورة الذي تبقى المذكرة بين يديه خاضعة للتعديل بالتشاور بين أفرقاء التحالف الى ما قبل ظهر اليوم.
وفي مستهل المذكرة تذكير بأن قوى 14 آذار أيدت عملية الحوار باستمرار ولكن على اسس اتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية وانها تنظر بقلق وارتياب الى دعوات لتعديل الميثاق الوطني والتفلت من القرارات العربية والدولية، وخصوصاً الدعوة الى "مؤتمر تأسيسي" يتجاوز الميثاق والدستور. وتركز المذكرة على تمسك 14 آذار بتطبيق إتفاق الطائف والدستور أولاً وعلى أن العقد الوطني يعلو كل موازين القوى وحساباتها. ثم تسرد ما يشبه "جردة حساب" تبين كيف نقض فريق 8 آذار ولا سيما منه "حزب الله" كل التفاهمات والتعهدات السابقة منذ 2005 في مقابل التنازلات والتضحيات التي قدمها تحالف 14 آذار وصولاً الى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية التي تصفها المذكرة بأنها حكومة "رأي واحد ولون واحد"، وتسأل عن الضمانات لعدم تكرار التجارب السابقة، متخوفة من أن تكون غاية "حزب الله" وفريقه من الحوار مجرد كسب الوقت للانقلاب على الحوار نفسه وكل نتائجه لاحقاً.
وتحدد المذكرة الضمانات المطلوبة وأبرزها إعلان "الفريق الآخر" إلتزامه مقررات جلسات الحوار السابقة مثل دعم المحكمة الدولية وتلبية طلباتها وترسيم الحدود مع سوريا وسحب السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وسوى ذلك، الاتفاق على أن الحكومة الحالية أصبحت جزءاً من المشكلة ويجب رحيلها، العمل على تشكيل حكومة جديدة تواكب الحوار وتشرف على الانتخابات وحل المشاكل المتعددة التي يعانيها اللبنانيون والدولة، وتمحور موضوع الحوار على الطرق الأنجع لانهاء كل السلاح الخارج عن إمرة الدولة.

