الجيش ووأد الفتن

الحملات التي تعرّض لها الجيش اللبناني والمديرية العامة للأمن العام على خلفية أحداث طرابلس جاءت لتشير إلى حجم المخاطر التي تتهدد الاستقرار العام في لبنان نتيجة فوضى السلاح والمسلحين التي اجتاحت عدداً من المناطق اللبنانية ضمن إطار الحملة التي انطلقت منذ بداية العام الماضي وتورطت فيها قوى محلية عديدة لإنشاء منصات تستعمل في الحرب على سورية.
ففي الشمال وبعض أنحاء البقاع تجاوزت التدخلات اللبنانية في الحرب على سورية حدود الخدمات الإعلامية للمعارضة السورية المسلحة وعمليات التهريب التي طالما جرى إنكارها إلى ان ضبطت الباخرة «لطف الله ـ 2» من قبل الجيش اللبناني وفضحت كل الأمور.

كان واضحاً في الوقائع أن قيام المديرية العامة للأمن العام بتوقيف شادي المولوي لم يكن خطوة مرتجلة، فالمعروف عن اللواء عباس ابراهيم مدير عام الأمن العام انه من أكثر القادة ألأمنيين دقة في التحقيق وفي تقدير الموقف واتخاذ القرار، وهذا ما رعى تقدمه إلى الصفوف القيادية الأولى في الأمن اللبناني منذ توليه مسؤولية مخابرات الجيش في الجنوب. وقد أُسقط بيد المتطاولين على المديرية العامة للأمن العام بعدما أفادت التقارير الصحافية عن وجود ملف أميركي خلف توقيف المولوي وشركاه، الأمر الذي اعتبر إشارة واضحة إلى تحول ما في التعامل الأميركي مع الأحداث السورية، وإلى درجة عالية من الثقة في التعامل مع الأمن العام.
الحملات والهجمات التي استهدفت المديرية العامة للأمن العام، انتقلت من المضمون المتصل بعملية التوقيت بناءً لإشارة قضائية وبناء على ملف أمني كبير وخطير، كما أشار اللواء ابراهيم في حديثه إلى مندوبي الوكالات ووسائل الإعلام، عندما لم يبق لقوى «14 آذار» وغيرهم من المتطاولين إلا الكلام عن الشكل، في حين حرصت المديرية العامة للأمن العام على رفض النقاش في هذا الأمر وترك المعالجة لوزير الداخلية في احتواء ومعالجة اعتراضات الوزير محمد الصفدي المتعلقة بالشكل أيضاً.

لقد خفتت أصوات المعترضين حول مبدأ الخطوة لأنهم غير قادرين على المجاهرة في تبني تحويل أي منطقة لبنانية إلى وكر لـ«القاعدة» وشبكاتها. كما أنهم لا يجرؤون على معاندة المشيئة الأميركية المعبّر عنها بملف المولوي الذي تسلمه الأمن العام، ولكن البلبلة والضياع ناجمان عن قراءة مؤشرات هذه الخطوة وما إذا كانت بداية «تكويع» في الموقف الأميركي من سورية.
أما في موضوع انتشار الجيش اللبناني في مناطق الاشتباكات في طرابلس، فإن الهجمات التي استهدفت الجيش على يد مسلحي الجماعات المتطرفة لاقت استنكاراً شعبياً كبيراً داخل مدينة طرابلس، لأن المؤسسة العسكرية في نظر المواطنين هي ضمانة الاستقرار. وعلى الرغم من التعبئة المذهبية المتطرفة منذ اندلاع الأحداث السورية، فقد اكتشفت قيادة تيار «المستقبل» في الشمال، وخلال الأحداث الأخيرة تحديداً، انها لا تملك شيئاً في الشارع، وان الجماعات السلفية المتطرفة ومعها مجموعات أخرى ممن احتضنوها، تضم سوريين ولبنانيين ومقاتلين من دول عربية أخرى، تريد التحكم بالمعادلة ولا تحترم مرجعية تيار «المستقبل» المفترضة، والدور الذي أوكل إلى نواب «المستقبل» واقعياً هو تحويلهم إلى مفاوضين باسمها، وهذا ما ظهر في موضوع الاعتصام في ساحة «النور» والاجتماعات التي عقدت، إذ تم تعديل مضمون البيانات التي صدرت عنها بهدف نيل موافقة القيادات المتطرفة.

قيادة الجيش كانت حريصة منذ البداية على التعامل بحزم مع الموقف. وكما أوضح العماد جان قهوجي، فإنه اشترط تفويضاً إجماعياً للجيش اللبناني لحفظ الأمن وحصل عليه.
قيادة الجيش متنبهة تماماً وبكل وضوح لوجود جهات محلية وخارجية تريد إغراق المؤسسة العسكرية في مرحلة استنزاف مديدة للنيل من هيبة الدولة ومن وزن وثقل المؤسسة العسكرية وقدراتها على ضبط الأمور. وفي المعطيات، تتحسب القيادة لاحتمال وجود مخططات لإثارة قلاقل في مناطق أخرى غير الشمال بهدف تشتيت قدرات المؤسسة. وعلى هذا الأساس، فقيادة الجيش، وبغطاء سياسي ودستوري كامل من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ورئيس الحكومة تحديداً، مصممة على عدم التهاون مع أي عبث بالأمن في طرابلس مهما كان الأمر.

وتلفت مصادر أمنية إلى أن المسلحين المتطرفين استهدفوا الضباط والجنود ثم انتقلوا إلى محاولة استدراج «جبل محسن» إلى الاشتباكات، لأن المطلوب في تقدير المسؤولين «الأمنيين» هو إغراق البلد في أجواء التحريض والفتنة والإعداد لتفجيرات أوسع تمس السلم الأهلي والاستقرار اللبناني، وهذا الأمر تضعه المؤسسة العسكرية في حساباتها. كما تؤكد مصادر مقربة من المؤسسة العسكرية أنها محصّنة بولائها الوطني وهي قادرة على إتمام واجباتها الدستورية بكل نجاح باعتبارها العمود الفقري للدولة الوطنية والقوة الراعية للاستقرار، وسيكتشف الواهمون أن الثقة التي يتحدث بها العماد قهوجي عن الجيش الوطني ودوره تستند إلى أرضية صلبة وحسابات دقيقة، ولذلك فإن القادم من الأيام سيبرهن مجدداً أن الجيش اللبناني هو الحامي الحقيقي للسلم الأهلي والعمود الفقري لهيكل الدولة.

السابق
شبح الفتنة
التالي
حزب الله وإسرائيل والمعركة المحتملة