هنا تتكرّر وجوه آلاف العابرين والعابرات. لم يكن صباح «الأونيسكو» يوماً على شاكلة «البثّ المباشر». حلقات مسلسل «الفرع الأوّل»، في أغلب الأوقات «إعادة». حراك الفانات ثابت أساسيّ. لا يهدأ خطّ فان «حيّ السلم» «أونيسكو». في طريقه، يجمع الطلاب المنتشرين في كلّ النقاط. لا نقل عاما، إذاً عليكم تحمّل مزاجية أصحاب الفانات. بين فيروز ودعاء الصباح و«تي رشرش» تختلط الأمور.
من المعروف أنّ الأغلبية هنا هي من الإناث. طبيعة كليّات «الأونيسكو» تجعل المشهد معتادا. تضجّ كلية الإعلام بالفتيات. وفي كلية التربية شبه اجتياح نسائي. أمّا كلية الآداب فلا جدل في اكتساح تاء التأنيث ألسنة الأساتذة.
الرجل المتأبّط مجلّداً أسود اللون هو أيضاً من الثوابت. أبو حسن المتمركز بالقرب من وزارة التربية، حفظ زبائنه. فبات يعرف مسبقاً أي صحيفة سيطلب كلّ طالب. وبما أنّ لا «كشك» للصحف في كلية الإعلام، فالحل كلّه يكمن إذاً بين يدي الرجل.
إعلام وتربية.. وزمالة
وجهة واحدة هي طريق الوصول إلى كليتي الإعلام والتربية. توجّه إلى منطقة «الأونيسكو». ولتكن وزارة التربية و«القصر» نقاط استدلالك. مبنيان متلاصقان ومتجاوران وثكنة للجيش تقابلاهما. ربّما تحمل الثكنة بعض الأمان للطلاّب. يسبق مبنى كلية الإعلام بأمتار قليلة مبنى كلية التربية. بوابة سوداء كبيرة، يتجاوزها المئات يومياً. قبل الدرج مجموعة تخطّط لمشوار إلى البحر. «نزلة ومنصير ع البحر»، تردّد الشابة محاولة إقناع زملائها.
ليس بعيداً من هنا صراع سياسي يكشف عن نفسه بمجرّد الوصول: علم حزبيّ يزدان به الحائط. وقريبا منه، تلتفّ علامات الطلاّب بجانب المصعد. السنة الفائتة كانت العلامات تصدر دفعة واحدة. لكن هذا العام صدرت كل مادة على حدة، ما حوّل «البانو» إلى كتلة من الأوراق. بين محاضرة وثانية، تكتظّ الكافيتيريا بالطلاّب. هنا مكان مناسب للطعام والثرثرة. علاقة هذا الشاب بتلك الفتاة؟ عمل إحداهنّ الجديد؟ طريقة سير أحد الزملاء؟ مراقبة إحدى الصبايا المحجبات «المودرن»…
شتاء، يسكن «إعلاميو العهد المقبل» غرفة «المطبوعات». يتكدّسون قرب بعضهم من البرد. تُجمع الأكثريّة أنّ الملعب صغير ولا مكان يتّسع لعدد الطلاّب.
في كلية الإعلام الكثير من الشعارات الحزبية، التي هي في الأغلب من لون واحد. معظم الطلاب لا اعترض لديهم، لكن بعضهم يعبّر عن انزعاجه من وصم الجامعة بلون محدّد. كثيرون جاءوا ورحلوا عن الجامعة بصمت. يرفضون كلّ ما يجري في الداخل، لكن لا يتدخّلون. «الكلام لم يكن لصالحنا»، يقول الشاب الذي تخرج قبل سنتين. أساتذة هذه الكليّة متنوعون. أثار الدكتور الشابّ إعجاب طالباته. تولّت إحداهنّ التنسيق معه للحصص على أمل التقرّب منه، لكنها لم تنجح، فمؤخرا اكتشفت أن الرجل متزوّج. أمّا الدكتور «المحبوب» فله هالته الخاصّة. ربّما لأنه ينقل طلابه إلى قلب المهنة. لكن دكتور» أدخل، حدّث.. واخرج» فلا يثير في طلاّبه إلاّ الضحك. يعبثون في حصصه. ومن تخرّجوا منذ سنوات ما زالوا حتى الآن «يهدسون» بنهفاته و«تفنيصاته» على حدّ قولهم.
في المكتبة حياة أخرى. قراءة الصحف تقليد ثابت لدى كثير من الطلاّب. استكمال البحث أو إثارة حديث حميميّ؟ طبعاً تختار الصبيتان شرح تفاصيل لقاء صديقتهم وحبيبها.
في مصلّى الكلية حياة ثانية. فتيات يحضرن للصلاة والراحة. يستلقين على الأرض في محاولة لغفوة سريعة. أمّا بعض الخارجات فيحملن معهنّ الاعتراض: «أصوات وكلام كثير.. نريد الصلاة». سبب الانزعاج يعود لزاوية من زوايا المصلى، غالباً ما تحجز للأحاديث النسائية الخاصّة.
أمتار قليلة تفصل بين التربية والإعلام. في كلية التربية يمكن التكلّم عن غزو نسائي شبه كامل. نادراً ما تلتقي بشبان هنا. يسبّب غياب العنصر الذكوري إزعاجاً لبعضهنّ. «جامعة بلا شباب ما بتنفع»، تردّد الفتاتان. لا شعارات حزبية في الجامعة، لكن الأحزاب فاعلة. نشاطات دينية واحتفالات ومعارض يقيمها الطلاّب. صاحب «الدكان» المسمّى «كافيتيريا»، نجح في كسب ودّ طلاّب الجامعة. الجميع يعرف «أبو عبد». حتى طلاب الإعلام يعرفون الرجل. هم زبائنه قبل وصول «الكافيتيريا» إلى حرم جامعتهم. وصيت طلاّب الإعلام بين زملائهم في التربية ليس عطراً. في التربية كلامٌ يقول إنّ «غروراً» يغزو أجواء الإعلام. وعلى الضفة الأخرى كلام عن «غيرة» تطوف بين ثنايا حرم التربية.
تمرّ قوافل طلابية قرب الكليتين. نزولاً هي الوجهة. بعد الاستفسار، يأتي الجواب:
– «يعقوب».
– قهوة أو «كافيتيريا»؟ لا جواب. فطبيعة المكان غير واضحة. لكن هذه بضعة أمتار مربّعة للاستراحة من عبء المحاضرات. وطبعاً لسدّ فجوة «نحن طلاب جامعة».
ثكنة عسكريّة
كلية الآداب والعلوم الإنسانية أيضاً في «الأونيسكو». مقابل وزارة التربية، طلعة سريعة توصل للهدف. ثلاثة مبانٍ تختصر الكلية. مبنى يجمع الفلسفة والجغرافيا والآثار. قبل الدخول تظنّ للحظات انّك في أجواء حملة انتخابية. صورة لرئيس مجلس النواب نبيه بري على زجاج «الكافيتيريا» المواجهة للجامعة. سياج مبنى الفلسفة يحمل يافطة كبيرة لـ«حركة أمل». علم لـ«القوميين السوريين»، علم آخر لـ«أمل». مساحة ضيقة وشعارات ثقيلة وكثيرة. وما يفترض أن يسمى حرم الكلية لا يضمّ طلاباً. لا مكان يتّسع في حال رغبوا بالتجمّع.
رائحة غريبة تخرج من داخل المبنى. بعد السؤال، يتبيّن أن الإدارة تكافح الحشرات مع بداية الصيف. المصعد مقفل بالمفتاح، ولا يحقّ للطلاب استخدامه. في غرفة «المطبوعات» تعمل أربع فتيات بانكباب. الشاب الوحيد يعطي التوجيهات. من الواضح أنّ العمل جار على مسابقة «الشهيد مرتضى مطهري» السنوية، التي تملأ ملصقاتها الجدران. أقلّ ما يمكن قوله عن وضع الكلية إنه «مزري». من المبنى نفسه، إلى «غرف» التدريس، وصولا إلى الألواح وطريقة لصق النتائج.
أعداد الطلاب من الجنسية السورية في كلية الآداب كبير. هكذا تحوّلت الجدران إلى مساحات «رأي ورأي آخر»: «يسقط نظام الأسد».. «تحيا سوريا الأسد».. و«من يقتل شعبه خائن».. ربّما لهذا السبب علّقت الإدارة ورقة منعت فيها النقاشات السياسية، تحت طائلة الفصل النهائي. استوقفت بعض القرارت الملاصقة لقرار المنع ثلاثة شبان، ثوان قليلة وهرولوا نزولاً، لأن «الرائحة تقتل هنا» على حدّ قولهم.
في مبنى كلية الأدب العربي والأدب الانكليزي لا تزال نتائج العام الدراسي 2009 2010 معلّقة. يضحك رئيس مجلس طلاب الفرع (غير المنتخب) علي حيدر للفكرة. يختصر حيدر وضع الكلية: «لا لوح لا قلم لا ممحاة.. النشّ داخل الصف، ما يضطرنا لحمل الشمسيات شتاء.. البلكونات تتهاوى.. صفوفنا غير مؤهلة..». يكاد ينفجر الشاب وهو يتحدّث ويُعدّد. لا يكاد ينتهي من فكرة، حتى تقاطعه زميلته محاولةً إكمال المشهد.
في مبنى الأدب الفرنسي وعلم النفس تهاوت قاعة النشاطات، «قاعة د. نزار الزين». انقلبت رأساً على عقب، وحتى الآن، لا مخطّط لإعادتها إلى الحياة العامّة.
انفصال.. إدارة وطلاب
في منطقة الروشة القريبة ستجد كلية العلوم الاجتماعية. مبنى خاصّ بالإدارة وآخر للطلاّب. ينتشر الطلاب بدفاترهم وأغراضهم على الدرج بين الطريق والجامعة. لا تتّسع الجامعة لأعدادهم. مسابقة الشهيد مطهري تتجوّل هنا أيضاً. تتمايل عند المدخل صورة كبيرة لنبيه بري. أسفل الصورة عبارة «يا جبل ما يهزك ريح». خلفها صورة لشهيدين من «حزب الله». وصايا الشهداء ترافقك عند البوابة الرئيسية. في الداخل «القومي السوري» حاضر و«حركة أمل» لها مساحتها وحجمها أيضا. «حزب الله» اختار الاختفاء خلف الشعارات الدينية.
قرب الكافيتيريا والمطبوعات تتزاحم الشعارات. حمامات الطوابق لا تصلح لبشر. غرف المحاضرات أشبه بالخربة. يؤكّد أحد الطلاّب أنّه في أغلب الأحيان يقف الطلاب خارج الصف للاستماع إلى المحاضرة. تُجمع الأغلبية أنّ الطلاب شتاء لا يحضرون، لأن لا إمكانية للهرب من المطر.
يؤكّد مدير «العلوم الاجتماعية» وليد حميّة، أنّ مبنى الكليّة غير مجهّز للتعليم الجامعي. يرى حميّة أنّ الحلّ يكمن في المجمعات الجامعية، لكن الانتقال «سياسي بحت»، برأيه. أمّا في ما خصّ الشعارات السياسية، فيشير إلى أنّه أبلغ الجهات المعنيّة قرار وجوب إزالتها. أمّا الجواب الذي جاء بعد أخذ وردّ فهو: «نلتزم كليا عند التزام الجميع».

