باريس الحياة في مقابل

في رحلة جوية إلى هنا وقف رجل حريدي ليصلي مخفيا على علم شاشة التلفاز عن عيون عدد من الركاب. فاضطروا إلى اختلاس النظر والقيام ومد الأعناق ولم يحتج أحد منهم. إن «إل عال» تُحابي زبائنها الحريديين أكثر من كل شركة أخرى وليس في هذا بأس. وتثور المشكلة حينما يستغل شخص ما هذا الأدب استغلالا سيئا ويجعل منه عرضا متحرشا كله «في مقابل».

يبدو معروفا أن نحيا دائما «في مقابل». وإننا نحن الإسرائيليين نعرف هذا جيدا من البيت. يبدو على نحو ما أنه لا يوجد أي عمل هنا طازج بل هو دائما نتيجة خطوة شخص ثان ما. ولا يُفصل أي قول عن إطار اختلاف في الرأي بل هو دائما رد على تصريح خصم سياسي أو زعيم أجنبي أو مستبد عدو أو مجرد واحد من العمل. إن حياتنا هي «حياة في مقابل»: فدائما ننتظر شخصا ما كي نعمل ونصر مع ذلك على الاستمرار في إطلاق الردود الغريزية.
لسنا نحن الذين أوجدنا هذا النهج. إن شوارع عاصمة فرنسا مليئة بنوعين من الناس: السياح والعمال الأجانب. والفرنسيون من أبناء البلاد موجودون منذ زمن في المكاتب الخلفية وفي طبقات الإدارة في المعامل، والمهاجرون هم الذين يبيعون وينظفون ويفتشون بطاقات السفر في القطارات الأرضية وعددهم عظيم كبير. وكما هي الحال في ألمانيا تم استيعابهم هنا أيضا بلا أسئلة صعبة، ويبدو ان هذا كان عن رغبة وطنية غير معلومة في تنقية ماض مظلم في الوقت الذي أُقصي فيه هنا فرنسيون مخلصون بسبب دينهم اليهودي فقط. وهذه أيضا حياة «في مقابل».

تكمن وراء التهذيب الأوروبي المثقل إذًا صدمة الماضي الشعورية، لكن بغير نجاح كبير. ويظهر عليهم أنهم مجروحون جرحا وطنيا وإن لم يكونوا عالمين بذلك ويخشون ظلهم الطويل والقديم وقوتهم المبرهن عليها على تدمير الذات وتدمير الغير. وهكذا يستوعبون الأجانب ويأسفون في صمت ويوجهون خيبة الأمل على «المذنبين الحقيقيين» وهم اليهود الذين لولاهم لما كانت محرقة، وهم الآن النسخة الإسرائيلية من المحتل القاسي. ومما يثير الاهتمام أن هذا الوعظ يأتي دائما من إمبراطوريات قاسية كانت في الماضي.

إنك لتنظر إلى كل إنسان وكل مكان وترى أمامك آثار تلك الحرب، والحياة الطيبة الكتمية التي هي «المقابل» الأكبر. وكل إنسان في الشارع وكل ولد في روضة أطفال وكل صفقة في مكتب وكل سيارة يابانية عابرة أثر من هذه الآثار، عمل «في مقابل». كانت المحرقة ضربة بلياردو قاتلة ولا تزال الكُرات تدور على طاولة العالم وتضرب أطراف الطاولة وتبتعد عن الثقوب في الزاوية وتحدد ترتيب العمل الخاص والقومي.
يُطلب إلينا مرة كل سنة أن نتذكر القتلى، لكننا نتذكرهم بأفعالنا كل يوم. فنحن نحيا في مقابلهم بلا انقطاع لا بمخاوفنا وعقدنا الوطنية التي لا تتركنا بل في الأمور الصغيرة التي نفعلها من غير انتباه. فكل شيء نتيجة لما حدث هنا أيضا، في شوارع باريس الجميلة خارج نافذتي، قبل سبعين سنة. ويُطلب ألينا في يوم المحرقة أن ننقلهم من وراء الوعي لدينا إلى مقدمته، أي أن ننظر أيضا تحت محركنا وأن نتبين في الحقيقة كم نحن آليون يُتحكم فينا من بعيد من عصر آخر، وهذا أصعب من أن يحتمل حقا.

السابق
اصوات تركية ضد التدخل
التالي
إدارة السجون تعزل ثلاثة أسرى مضربين عن الطعام في مستشفى سجن الرملة