حملت وسائل الإعلام الإسرائيلية بشدة على العنف الذي تعامل به نائب قائد لواء في جيش الاحتلال المقدم شالوم آيزنر مع متضامنين أجانب.
واضطر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال بني غانتس إلى الإعلان عن تجميد عمل هذا الضابط، والإشارة إلى أن إجراءات انضباطية ستتخذ بحقه. وأشار كثيرون إلى أن هذا الحادث أنهى المسيرة الصاعدة لضابط ابن حاخام مشهور.
ومن المؤكد أن ظاهر الأشياء ليس بالضبط هو ما عبر عن جوهرها، فالمقصود هنا ليس منع الجيش الإسرائيلي من التعامل بشدة مع المتظاهرين الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب بل التعامل بحكمة. والحكمة في جانبها الجوهري تتطلب التعامل بالشدة المطلوبة، شرط الأخذ بالحسبان وجود الكاميرات واعتبارات أخرى مفصلة في توجيهات خاصة تقررها قواعد السلوك العسكري. والمقصود عدم توفير ذخائر للدعاية المناهضة لإسرائيل في العالم.
وتقريبا عبّر عن ذلك بوضوح مستشار سابق لرئيس الحكومة الإسرائيلية في مقالة في صحيفة «يديعوت احرونوت» بقوله «أعيدوه إلى بيته بسبب غبائه». وفي نظر الكثير من الإسرائيليين تكمن مشكلة هذا الضابط في أنه تصرف على هذا النحو وضبطته الكاميرا، بحيث باتت الصورة أقوى من ألف كلمة. بل ان البعض رأى في الصورة قذيفة تطيح أشكال الدعاية والتبريرات الإسرائيلية. فالصورة تبين شاباً يقف وهو يضع يديه خلف ظهره، لكن الضابط الإسرائيلي يضربه بكعب سلاحه على وجهه. بل ان الضابط في موجة غضبه يلحق بفلسطيني آخر ويضربه أيضا بالسلاح على ظهره فيمزق جسده. ويلحق أيضا بمتضامنة أخرى فيضربها بالطريقة ذاتها.
والواقع أن القصة في جوهرها أثارت غضب القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية لأسباب أخرى. فمن ناحية لم يقع الحادث إلا السبت الماضي أثناء مسيرة للمتضامنين. وقد نقل المصابون إلى المستشفى وأذيعت أنباء إصابتهم وما جرى ولكن أحدا لم يلتفت للأمر. وبقي الوضع على هذه الحال، من دون أي إثارة لانتباه أو أزمة، إلى أن عُرض شريط الفيديو على الانترنت وعلى قنوات تلفزة فلسطينية محلية.
حينها، صارت الحكاية قصة مثيرة. فمن ناحية هناك صورة حية تثبت بالدليل القاطع ما جرى. والصورة تأتي من الطرف الفلسطيني المعادي، ولكن الضحية أو الضحايا ليسوا فلسطينيين هذه المرة بل أجانب. والأهم في نظر قيادة الجيش الإسرائيلي أنها اضطرت للظهور بمظهر المتفاجئ. إذ كيف يعقل أن حادثاً تشارك فيه قوات كبيرة، على رأسها نائب قائد اللواء برتبة مقدم، ويشهد تطورات «خطيرة» ولا تعلم بها. إذاً في الأمر نوع من التضليل أو الكذب أو هكذا يريدون أن تبدو القضية.
وقد اضطر الضابط إلى الكذب والتمادي في الأمر بادعاء أن المتضامنين كسروا إصبعين له، وأنه اضطر إلى تضميد يده. وهذا ما زاد الطين بلة في نظر القيادة الإسرائيلية. فهو لم يبلغ عن الحادث ثم ادعى أنه كان يدافع عن نفسه.
وكل هذا من دون الحديث عن الضحية أو الضحايا. إنه مناضل دنماركي يصعب على حكومة بلاده أن تمر عن انتهاك حقوقه والتعدي عليه مرور الكرام. ومن المؤكد أن هذه الدولة يمكنها أن تسبب إزعاجاً كاملاً لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي، وربما في المحكمة الجنائية الدولية. وهكذا كان الحل الأمثل للقيادة الإسرائيلية المسارعة باتخاذ خطوات تثبت ظاهرياً أن في إسرائيل قانوناً وعدالة وأن الجاني سينال عقابه. ولكن ليس في هذه الخطوات ما يمنع استمرار الضابط في عمله، بل نقله لاحقا ليكون نائب قائد كلية عسكرية لتدريب الضباط.
والحقيقة أن في إسرائيل قانوناً وعدالة خاصين بهما وهما في الغالب لا يسريان عندما يكون الضحية عربياً أو فلسطينياً. هل يذكر كثيرون أن الحكم على مرتكبي مجزرة كفر قاسم ضد الأبرياء في تشرين الأول العام 1956 كان مجرد غرامة مالية ضئيلة؟
كما أن للعدالة الإسرائيلية، عندما تتعلق بالفلسطيني، وجهها الآخر. فالنائب العسكري العام الذي سارع لفتح تحقيق في اعتداء المقدم آيزنر على الناشط الدنماركي لا يزال يرفض فتح تحقيق في قتل شابين فلسطينيين عند حاجزين للاحتلال في الضفة رغم أمر قضائي بذلك.
عموما في إسرائيل من يتعامل مع المقدم آيزنر على أنه بطل. المئات من ضباط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي تنادوا للدفاع عنه، خشية أن تسري العقوبة عليه على آخرين يمارسون الفعل نفسه يوميا، ولكن بعيدا عن عدسات الكاميرا.

