لعل جرعة التضامن التي قدمتها الحكومة إلى المؤسسة العسكرية، ولو متأخرة، كما الجولة التفقدية التي قام بها قائد الجيش العماد جان قهوجي للوحدات العسكرية المنتشرة على الحدود اللبنانية السورية شمالا وبقاعا، شكلتا أبلغ رد على الحملات على الجيش اللبناني.
وفيما كان مجلس الأمن يناقش في جلسة مغلقة، تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول القرار 1701 بكل ما تضمنه من افتراءات علنية على لبنان والمقاومة، كانت لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب الأميركي تستمع إلى نتائج التحقيق الفيدرالي الأولي حول "تهديد "حزب الله" للداخل الأميركي"، بكل ما تضمنه أيضا من تحريض على الجاليات اللبنانية في الولايات المتحدة الأميركية، وفي الوقت نفسه، أطلقت الصحافة الإسرائيلية حملة ضد "حزب الله"، على قاعدة محاولة تأليب الجمهور اللبناني ضده، بذريعة أنه يحاول السيطرة على القطاع المصرفي.
في خضم هذه العناوين التي تحاصر لبنان، بالإضافة إلى الزلزال السوري المستمر منذ سنة، بكل تداعياته اللبنانية، سياسيا وأمنيا وإنسانيا، بدا مجلس النواب اللبناني وكأنه يعيش في عالم آخر، بإقدامه على وضع نفسه على سكة التشريع الانتخابي قبل أكثر من سنة على الموعد الافتراضي للانتخابات المقبلة.
وظهر أول الغيث النيابي مع تخصيص مئة مليون دولار لجزء من "الأوتوستراد العربي" في منطقة عكار، في إطار محاولة من تيار المستقبل لتطويق مشكلة داخلية، قد تؤثر على وضعه الانتخابي في منطقة عكار، وكان لافتا للانتباه، أن رئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط، ومن يغرد في سربهما من وزراء "الوسطية"، قد ساهموا في تمرير "الرشوة الانتخابية"، وهو الأمر الذي استوجب صرخات نيابية من هنا وهناك وصولا الى معجزة تمثلت بنطق النائب جيلبرت زوين للمرة الأولى منذ انتخابها قبل ثلاثة أعوام، وبإثارتها قضية عجقة السير "التاريخية" بين بيروت وجونيه!
واستكمالا للتسوية السياسية التي أطاحت وزير العمل السابق شربل نحاس، طوى مجلس النواب، أمس، وبلمح البصر صفحة بدل النقل، من خلال صيغة جديدة وفّقت بين اقتراحي النائبين
"البرتقالي" ابراهيم كنعان و"الأزرق" نبيل دو فريج، واستطاع بسرعة قياسية أكبر تفكيك واحدة من ابرز "عبوات الشغب" في سجن رومية، عبر تخفيض السنة السجنية الى تسعة اشهر.
وإذا كانت منطقة عكار، شأنها شأن كل المناطق اللبنانية المحرومة في حاجة الى مئات ملايين الدولارات، الا ان الآلية التي اعتمدت، لا تمت بصلة الى انتظام عمل الدولة وقضية إنماء المناطق المحرومة، خاصة أن جزءا من الاوتوستراد المذكور أدى الى هدر عشرات ملايين الدولارات كما جاء في اتهامات أحد نواب "المستقبل" في عز تلويح النائب المعارض معين المرعبي باستقالته من المجلس النيابي.
في موازاة ذلك، انعقد مجلس الوزراء، مساء أمس، على مدى اربع ساعات في السرايا الحكومية برئاسة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وأعقب ذلك اجتماع اللجنة الوزارية حول موضوع المليارات التي أنجزت بالكامل مشروع القانون المتعلق بالحسابات المالية على ان يطرح في جلسة مجلس الوزراء المقررة الاربعاء المقبل في القصر الجمهوري. وأثار وزير الدفاع فايز غصن في مستهل الجلسة الهجمة على الجيش، داعيا الى اتخاذ الموقف المناسب حيالها.
وتعاقب غالبية الوزراء على الكلام فرفض الوزير نقولا فتوش المس بالمؤسسة العسكرية، والتقى معه الوزير علي قانصو الذي اكد انه لا يجوز التطاول على الجيش، متهما الرئيس فؤاد السنيورة "بقيادة الحملة على المؤسسة العسكرية". وفي السياق ذاته، صبت مواقف وزراء "تكتل الاصلاح والتغيير" وحركة "أمل" و"حزب الله"، ورئيس الحكومة الذي شدد على عدم الزج بالجيش في المهاترات السياسية داعيا الى النأي به عن كل التجاذبات والمنازعات السياسية، وتم التوافق على صياغة موقف حكومي داعم للمؤسسة العسكرية.
وأثار وزير الاتصالات نقولا صحناوي موضوع المفقودين، فأشار وزير العدل شكيب قرطباوي الى انه بصدد إعداد مشروع في هذا الاتجاه. ثم حصل نقاش حول موضوع حق المرأة اللبنانية بمنح الجنسية لأولادها (من دون المتزوجات من فلسطينيين)، وسجلت اعتراضات من جانب وزراء "تكتل الاصلاح التغيير" حياله، فيما نأى وزراء "أمل" و"حزب الله" بأنفسهم عن هذا الموضوع فيما أكد وزراء "جبهة النضال الوطني" والحزب القومي أنهم يؤيدون إعطاء المرأة هذا الحق، من دون استثناء المتزوجات من فلسطينيين تجنبا للغرق في مستنقع العنصرية. وبعد النقاش، ارتئيت إحالة هذا الأمر الى لجنة وزارية برئاسة نائب رئيس الحكومة سمير مقبل.
وحينما طرح مشروع المرسوم المتعلق بهيئة ادارة قطاع النفط، جرى نقاش اتسم بالحدة بين باسيل من جهة ووزراء رئيس الجمهورية والوزير نقولا نحاس. حيث طرح وزراء رئيس الجمهورية إلغاء مبدأ المداورة بالنسبة الى رئاسة الهيئة، فيما طرح نحاس تعديل آلية عمل الهيئة، الامر الذي اعتبره باسيل تعديا على صلاحية الوزير المختص، خاصة أن الاقتراحات الجديدة تعطي لأعضاء الهيئة حق السفر بلا إذن، والتصريح بلا إذن، كما إعطاؤها حق التعيين من دون العودة الى الوزير المختص.
ورد باسيل على هذه الطروحات، فأشار بداية الى التأخير الحاصل حول موضوع الكهرباء، وكذلك في موضوع النفط، لافتا الانتباه في هذا المجال الى مشروع رفعه الى مجلس الوزراء منذ نحو شهر حول موضوع المسح البري للنفط، "وحتى الآن لم تحرّك الحكومة ساكنا حياله. لكن الآن امامنا مرسوم الهيئة، وأنا اصر على السير به، وإذا كان هناك من إصرار على التعديل فأنا اقترح طرحه على التصويت، فإما ان نسير به، وإما نرد المشروع من اساسه".
وبعد هذا النقاش، جرت الموافقة على مشروع المرسوم كما وضعته اللجنة الوزارية. وقال باسيل لـ"السفير": "بعد هذا الإنجاز في مجلس الوزراء اصبحت الكرة في يد مجلس الخدمة المدنية والتنمية الادارية للتسريع في عملية تعيين الاعضاء، في مهلة شهر كحد اقصى، واختصار كل الروتين الذي قد يحرم لبنان من الاستفادة من ثرواته".
أضاف باسيل: "الآن تم اقرار تشكيل هيئة خاضعة للوزير ووجودها يشكل عنصرا مساعدا جدا في الرقابة والاستثمار وإعداد الدراسات وتنظيم القطاع، وقد انتهى العهد الذي تشكل فيه هيئات بديلة أو رديفة للوزارات"

